ثم إضافة إلى هذا فإن السلف الصالح لم يكونوا ملتزمين بذكر طريق التحمل كما التزمه من بعدهم من الرواة، وهذا ما نلحظه في كتب السنة كلها، فنجد الشيوخ المتأخرين يذكرون طريق التحمل بحدثني أو حدثنا أو أخبرني أو أخبرنا أو قال، وأمن قبلهم من الشيوخ المتقدمين، فنجد أكثرهم يذكر الرواية بالعنعنة، وهذا واضح جدًا في أسانيد الحديث، وهم لذلك قد ينشطون أحيانًا، فيذكرون السماع، وأحيانًا ينقلونه بلفظ (عن) وهذا ينطبق على أحاديث أبي الزبير، فإننا نجد بعض الرواة يرويها عنه بعن، وبعضهم يقول فيها أنه سمع جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما.
ومن ذلك:
-قال الإمام مسلم-رحمه الله-: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا علي بن مسهر عن ابن جريح عن أبي الزبير، عن جابر-رضي الله عنه-قال: طاف رسول الله-صلى الله عليه وسلم-بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه لأن يراه الناس، وليشرف، وليسألوه، فإن الناس غشوه )) .
قال: حدثنا علي بن خشرم، أخبرنا عيسى بن يونس عن ابن جريح. وحدثنا ابن حميد، أخبرنا محمد (يعني ابن بكر) قال: أخبرنا ابن جريح، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله-رضي الله-عنهما-يقول:
طاف النبي-صلى الله عليه وسلم-في حجة الوداع على راحلته بالبيت، بالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف، فإن الناس غشوه. [1]
فقد بين علي بن خشرم وعبد بن حميد، في روايتهما عن عيسى بن يونس ومحمد بن أبي بكر أن أبا الزبير أخبر ابن جريح بأنه سمع جابر يقول الحديث، بينما جاء في رواية ابن أبي شيبة عن ابن مسهر بالعنعنة، فهذا إما يكون قبل ابن جريح أو من أبي الزبير، فتارة ذكر الحديث بالسماع، وتارة أخرى ذكره بالعنعنة، ولهذا أمثلة كثيرة في صحيح مسلم [2] فضلًا عن غيره من كتب السنة المطهرة، ولهذا فأرى عنعنة أبي الزبير تحمل على السماع، والله أعلم.
الأمر الرابع: إن الإمام الدارقطني في كتابه الإلزامات (( ألزم الإمام مسلم بإخراج أحاديث لم يخرجها في صحيحه من طريق أبي الزبير عن جابر قال الدارقطني: وترك أيضًا أحاديث من رواية الثقات عن لأبي الزبير عن جابر، وأحاديث من رواية ابن جريح والثوري وغيرهما، وهذا من رسمه ) ).
(1) صحيح مسلم في الحج رقم (1273) 2/ 926 - 927/ وغشوه: ازدحموا عليه وكثروا.
(2) انظر في صحيح مسلم الأحاديث ذات الأرقام التالية: (82 - 518 - 988 - 1063 - 1084 - 1213 - 1273 - 1318 - 1319 - 1536 - 1552 - 1554 - 1565 - 1608 - 1856 - 1998 - 2018 - 2059 - 2099 - 2116 - 2222 - 2268 - 2813 - 2835) فهذه أحاديث رويت من أكثر من طريق في بعضها بلفظ السماع، وفي بعضها الآخر بلفظ العنعنة.