الثاني: أنه كان من أهل الحجاز وليس مذهبهم قال الحاكم في معرفة علوم الحديث: (( أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي ليس التدليس من مذهبهم ) )/111/.
الثالث: ينظر إلى عنعنة أبي الزبير من حيث وجودها في صحيح مسلم، بل في صحيح البخاري كما أشرت إلى ذلك، ومن كان بهذه المثابة، فأحاديثه المخرجة في الصحيحين أو في أحدهما لا يجوز أن يتطرق الشك إلى صحتها لأن صاحبي الصحيحين إنما أخرجوا ما صح وتركوا غيره، وهذا أمر يعرفه أهل الفن مبثوثًا في كتب أهل العلم، فلا يجوز لأحد أن يضعف حديثًا فيه مدلس إن كان الحديث في أحد الصحيحين، فليحذر طلبة العلم من الجرأة على كتابين أجمعت الأمة على صحة ما فيهما فيكون فاسقًا بخرقه لإجماعها، وادعائه ضعف أحاديث فيهما. أسأل الله السلامة والعافية. [1]
(1) يقول الشيخ أحمد شاكر-رحمه الله في الباعث الحثيث:
(( لحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين، وممن اهتدى بهديهم، وتبعهم على بصيرة من الأمر:
أن أحاديث الصحيحين صحيحة لكها ليس في واحد منها مطعن أو ضعف ن وإنما انتقد الدارقطني وغيره من الحفاظ بعض الأحاديث على معنى ما انتقدوه لم في الصحة الدرجة العليا التي ألتزمها كل واحد منهما في كتابه، وأما صحة الحديث نفسه فلم يخالف أحد فيها، فلا يهولنك إرجاف المرجفين، وزعم الزاعمين أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة، وتتبع الأحاديث التي تكلموا فيها، وانقدها على القواعد الدقيقة التي سار عليها أئمة أهل العلم، وأحكم على بينة، والله الهادي إلى سواء السبيل /35/.
قال الحافظ بن الصلاح في شرح مسلم /85/ ونقله عن الإمام النووي مقرًا له ومؤيدًا /1/ 9 أ /: جميع ما مسلم بصحته في هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه، وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه بالإجماع.
فانظر إلى قوله الأخير يتبن لك أن قصدهم بتلقي الأمة القبول، إجماعها على وقال إمام الحرمين الجويني (478 هـ) (( لإجماع علماء المسمين على صحتها ) ).
وقد نقل الإجماع أيضًا الحفظ بن طاهر المقدسي قال الحافظ بن حجر في النكت على ابن الصلاح (1/ 380/) وسبق ابن طار القول بذلك جماعة من المحدثين كأبي بكر الجوزقي وأبي عبيد الله الحميدي بل نقله ابن تيمية عن أهل الحديث قاطبة.
قال ابن تيمية (( جمهور متون الصحيحين متفق عليها بين أئمة الحديث تلقوها بالقبول وأجمعوا عليها، وهم يعلمون علمًا قطعيًا أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قالها ) )الفتاوى 1/ 257/.
وقال: ومن الصحيح ما تلقاه بالقول والتصديق أهل العلم بالحديث كجمهور أحاديث البخاري ومسلم فإن جميع أهل العلم بالحديث يجزمون بصحة جمهور أحاديث الكتابين، وسائر الناس تبع لهم في معرفة الحديث، فإجماع أهل العلم بالحديث على أن هذا الخبر صدق كإجماع الفقهاء على أن هذا الفعل حلال أو حرام أو واجب، وإذا أجمع أهل العلم على شيء فسائر الأمة تبع لهم فإجماعهم معصوم لا يجوز أن يجمعوا على ))
مجموع الفتاوى 18/ 17/.
وممن حكى الإجماع: الحافظ أبو نصر الواثلي السجزي (444 هـ) قال: (( أجمع أهل العلم الفقهاء وغيرهم على أن رجلًا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في كتاب البخاري مما روى عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قاله لا شك فيه أنه لا يحنث والمرأة بحالها في حبالته. علوم الحديث /38 - 39/
وقال أبو إسحاق الأسفراييني:
(( وأهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها ) )نقله السخاوي في شرح الألفية 1/ 50/.
والكلام في هذا كثير اقتصرت على أشهر الأقوال خشية الإطالة.
وانظر في ذلك تدريب الراوي 1/ 131 - 143/ والمرقاة شرح المشكاة 1/ 16/ وحجة الله البالغة 1/ 101/ والحطة /55/ ومقدمة السراج الوهاج /19/ وتهذيب الأسماء واللغات 1/ 73/ ومحاسن الاصطلاح /101/ ومقدمة ابن الصلاح /41 - 44/ وجامع الأصول 1/ 42/ وغير ذلك من الكتب التي تعرضت لهذه المسألة.
وأظن أن الذي بدأ في التفتيش عن أحاديث الصحيحين، وضع بعضًا منها قد سنّ سنة سيئة حتى وجدنا اليوم بعض الطلبة المبتديئين يخوضون في البحث عن أحاديث في الصحيحين، فيضعفونها، وحسبنا الله ونعم الوكيل.