الصفحة 14 من 56

قد تأخر في الذهاب للسماع من أبي الزبير-ولعل ذلك كان قليلًا فيه، ونادرًا، ولذلك لم نر أحدًا روى عنه ذلك إلا شعبة، ولهذا قال عيسى بن يونس ما لقي فمنك أبو الزبير.

بل وجدنا أقرانه كيعلي بن عطاء يقول عنه: وكان أكمل الناس عقلًا، فمن ظهر منه شيء مرة لا يترك حديثه، ثم إن هذه أمور خاصة، وطباع شخصية لا تتعلق بالرواية، ولهذا رأينا شعبة نفسه لم يطعن في روايته للحديث، وهو الواسع الإطلاع.

قال بن رجب الحنبلي-بعد أن ذكر ما أخذه شعبة على أبي الزبير: ولم يذكر عليه كذبًا أو سوء حفظ. [1]

قلت: ولا تدليس.

وقال ابن عيينة: كان أبو الزبير-عندنا-بمنزلة خبز الشعير إذا لم نجد عمرو بن دينار ذهبنا إليه. فهو عنده خبز يؤكل.

وقال نعيم بن حماد: قال سفيان: [2] جاء رجل الى أبي الزبير، ومعه كتاب سليمان اليشكري-يعني عن جابر-رضي الله عنه- (وهو سليمان بن قيس البصري مات في حياة جابر، وكان قد جالسه، وكتب عن صحيفة اشتهرت عنه، مات ما بين السبعين إلى الثمانين) فجعل يسأل أبا الزبير، فيحدث بعض الحديث، ثم يقول: أنظر كيف هو في كتابك، قال: فيخبره بما في الكتاب، فيحدث كما في الكتاب. [3]

وقال أبو مسلم المستملي: حدثنا سفيان قال: جئت أبا الزبير، أنا ورجل، وكنا إذا سألنا عن الحديث، فتعابى منه، قال: انظروا في الصحيفة كيف هو؟. [4]

قلت: وكأني بسفيان الثوري، ابن عيينة كليهما لقياه بعد كبر، [5] وضعف حفظه، فلذا كان يعتمد على الصحيفة أكثر من اعتماده على ما في ذاكرته، وما ذكره سفيان يدل على أنه لم يكن يحدث من حفظه لعلمه أنه كبر، فنسى، ولم يعد كما كان في سن الشباب، وهذا يدل على دقة ما يرويه حتى لا يقع في الأوهام، والأغلاط فرحمه الله-كم كان دقيقًا.

(1) شرح علل الترمذي /254/.

(2) الظاهر في استعمال العلماء أنهم يطلقون اسم (سفيان) على الثوري، ويذكرون الآخر بـ (( ابن عيينة ) )وهي قاعدة غير مطردة، وإنما هي أغلبية، فإن سفيان المراد هنا هو ابن عيينة.

(3) وجاء في العقيلي: (( فتجزئة كما في الكتاب ) )وهو خطأ مطبعي 4/ 132/.

(4) وذكرها العقيلي في الضعفاء الكبير 4/ 132/.

(5) ومما يؤكد أن الثوري (97 - 161) هـ فيكون قد رأى أبا الزبير بعد أن جاوز الستين في عمره رغم أنه طلب العلم وهو حدث كما قال الوليد بن مسلم: رأيته بمكة يستفتي لما يخط وجهه بعد (تهذيب التهذيب 4/ 1115/) أما ابن عيينة (107 - 198 هـ) فيكون أخذه من أبي الزبير بعد بلغ السبعين من عمره، وفي التاريخ الصغير للبخاري: قال سفيان: جلست عنده سنة ثلاث وعشرين /145/ ط الهند، والظاهر أنه ابن عيينة، ويحتمل أن يكون الثوري، وما استنتجه صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت