الصفحة 9 من 111

هُوَ عِلْمٌ يُعْرَفُ بهِ أحوالُ اللفظِ العربيِّ: أيْ هوَ عِلْمٌ يُسْتَنْبَطُ بهِ إدراكُ كلِّ فَرْدٍ فردٍ منْ جزئيَّاتِ أحوالِ اللفظِ العربيِّ كما يَدُلُّ عليهِ التعبيرُ بِـ يُعْرَفُ، وإنَّما خَصَّ اللفظَ بالعربيِّ؛ لأنَّ الصناعةَ لمْ تُوضَعْ إلَّا لمعْرِفَةِ أحوالِه، لكنْ لا مُطْلَقًا بلْ منْ حيثُ إنَّها التي بها يُطَابِقُ اللفظُ مُقْتَضَى الحالِ،

فخَرَجَ بذلكَ عِلْمُ البيانِ؛ لأنَّ الأمورَ المذكورةَ فيهِ منْ تحقيقِ الْمَجَازِ بأنواعِه والكنايةِ ونحوِهما لم تُذْكَرْ فيهِ منْ حيثُ إنَّهُ يُطابِقُ بها اللفظُ مُقْتَضَى الحالِ، بلْ منْ حيثُ ما يُقْبَلُ منها وما لا يُقْبَلُ.

وخرَجَ بذلكَ أيضًا الْمُحَسِّنَاتُ البديعيَّةُ من التجنيسِ والترْصِيعِ ونحوِهما؛ لأنَّها إنَّما يُؤْتَى بها بعدَ حصولِ المطابَقَةِ بغيرِها.

فتَخْتَلِفُ صُوَرُ الكلامِ لاختلافِ الأحوالِ: أيْ فتَخْتَلِفُ الصُّوَرُ المخصوصةُ التي يُورِدُ عليها الكلامَ، وهيَ التي سُمِّيَتْ بِمُقتضياتِ الأحوالِ؛ لكونِ الأحوالِ مختلِفَةً غيرَ واقعةٍ على نَهْجٍ واحدٍ يَسْتَدْعِي كلٌّ منها ما يُنَاسِبُه.

مثالُ ذلكَ قولُه تعالى: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} ، فإنَّ ما قبْلَ أمْ صورةٌ من الكلامِ تُخَالِفُ صورةَ ما بعدَها؛ لأنَّ الأُولَى فيها فِعْلُ الإرادةِ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، والثانيةَ فيها فعْلُ الإرادةِ مَبْنِيٌّ للمعلومِ، والحالَ الدَّاعِي لذلكَ نِسْبَةُ الخيرِ إليه سبحانَه وتعالى في الثانيةِ، وَمَنْعُ نِسْبَةِ الشَّرِّ إليه في الأُولَى، معَ أنَّ المرادَ بالمُرِيدِ ههنا أيضًا هوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فلَقَدْ أَحْسَنُوا الأدبَ في ذِكْرِ الشَّرِّ محذوفَ الفاعِلِ وإبرازِهم لاسْمِه تعالى عندَ إرادةِ الخيرِ والرَّشَدِ.

وَيَنْحَصِرُ الكلامُ على هذا العلْمِ، أيْ علْمِ المعاني، في ثمانيةِ أبوابٍ وخاتِمَةٍ: انحصارُ الكلِّ في الأجزاءِ، لا الْكُلِّيِّ في الْجُزئيَّاتِ؛ لأنَّ علْمَ المعاني عبارةٌ عنْ هذا المجموعِ، ولا يَصْدُقُ على كلِّ واحدٍ منها.

(البابُ الأوَّلُ في الْخَبَرِ والإنشاءِ)

لَمَّا كانَ ما ذَكَرَهُ منْ تقسيمِ الكلامِ إلى الخبَرِ والإنشاءِ وتعريفِهما وبعضِ الأحكامِ، ككوْنِ كلِّ جملةٍ ذاتَ رُكْنَيْنِ مِمَّا لا اختصاصَ لهُ بواحدٍ من الْخَبَرِ والإنشاءِ، جَمَعَهُمَا الْمُصَنِّفُ في البابِ الواحدِ، وَذَكَرَ فيهِ هذهِ الأمورَ التي يَشترِكانِ فيها، ثمَّ بعدَ الفراغِ عنْ بيانِها قَسَّمَ ذلكَ البابَ إلى قِسْمَيْنِ:

أحدُهما: في الكلامِ على الخبَرِ وبيانِ ما يَخْتَصُّ بهِ منْ أحوالِه.

والآخَرُ: في الكلامِ على الإنشاءِ وأحوالِه الْمُخْتَصَّةِ به.

وهذا الذي فَعَلَهُ أحسَنُ وَأَنْسَبُ من الْجَعْلِ لِكُلٍّ من الْخَبَرِ والإنشاءِ بابًا على حِدَةٍ كما جَعَلَ صاحبُ التلخيصِ وغيرُه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت