كلُّ كلامٍ فهوَ بالاستقراءِ إمَّا خَبَرٌ أوْ إنشاءٌ.
والخبَرُ: أيُّ كلامٍ يَصِحُّ أنْ يُقَالَ لقائلِه: إنَّهُ صادقٌ فيهِ أوْ كاذبٌ؛ لأنَّ القائلَ يَقْصِدُ بذلكَ الكلامِ حكايةَ معنًى حاصلٍ في الواقعِ، فهذهِ الحكايةُ إنْ كانتْ مطابِقَةً لِمَا في الواقعِ يُقَالُ لهُ: إنَّهُ صادقٌ فيه، وإنْ لمْ تكُنْ مطابِقةً لهُ يُقالُ لهُ: إنَّهُ كاذبٌ، كسافَرَ مُحَمَّدٌ، وعَلِيٌّ مُقِيمٌ، فَقَصَدَ القائلُ بالأوَّلِ حكايةَ ثُبوتِ السَّفَرِ لِمُحَمَّدٍ، وبالثاني حكايةَ ثُبوتِ الإقامةِ لعَلِيٍّ في الواقعِ، فإنْ حَصَلَ الطِّبَاقُ بينَ تلكَ الحكايةِ وما وَقَعَ في نَفْسِ الأمْرِ بأنْ وُجِدَ اتِّصَافُ مُحَمَّدٍ بالسفَرِ، واتِّصَافُ عليٍّ بالإقامةِ، ثَبَتَ صِدْقُهُ، وإلَّا ثَبَتَ كَذِبُهُ.
والإنشاءُ: ما لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ لقائلِه ذلكَ؛ لأنَّهُ لا يَقْصِدُ بهِ الحكايةَ عنْ معنًى حاصِلٍ في الواقِعِ حتَّى ثَبَتَ صِدْقُه بمُطَابَقَةِ الحكايةِ أوْ كَذِبُه بعَدَمِ مطابقَتِها، بل الْقَصْدُ بهِ إحداثُ مدلولِه، وإيجادُه بذلكَ اللفْظِ، (كسَافِرْ يا مُحَمَّدُ، وَأَقِمْ يَا عَلِيُّ) ، فإنَّهُ لمْ يَقْصِدْ بهِ حكايةَ شيءٍ، بلْ إحداثَ مدلولِه، وهوَ طَلَبُ السَّفَرِ والإقامةِ.
والمرادُ بصِدْقِ الخبرِ مطابَقَتُه للواقِعِ ونفسِ الأمْرِ، والمرادُ بنفسِ الأمْرِ ما عليهِ الأمْرُ في نفسِه معَ قَطْعِ النظَرِ عن اعتبارِ الذِّهْنِ وَتَعَمُّلِهِ، ويُقالُ لهُ: الخارجُ أيضًا؛ لكونِه خارجًا عن اعتبارِ العقْلِ. وللتنبيهِ على هذا أَوْرَدَ بعدَ ذِكْرِ الواقعِ ههنا لفظَ الخارِجِ في قولِه بُعَيْدَ هذا: إنْ كانت النِّسْبَةُ المفهومةُ منها مطابِقَةً لِمَا في الخارجِ إلخ. وبكَذِبِه عدَمُ مطابَقَتِه له، فجملةُ عليٌّ مُقِيمٌ إنْ كانت النِّسْبةُ المفهومةُ منها مطابِقَةً لِمَا في الخارجِ، بأنْ تكونَ في الخارجِ كما فُهِمَتْ من اللفظِ فصِدْقٌ، وإلَّا، أيْ: وإنْ لمْ تكُن النِّسْبَةُ المفهومةُ منها مطابِقَةً لما في الخارجِ بأنْ تكُونَ في الخارجِ على خِلافِ ما دَلَّ عليهِ الكلامُ، فكَذِبٌ.
ولكلِّ جملةٍ سواءٌ كانتْ خَبَرِيَّةً أوْ إنشائيَّةً رُكنانِ: أحدُهما محكومٌ عليه، والآخَرُ محكومٌ به. وَيُسَمَّى الأَوَّلُ مُسْنَدًا إليه كالفاعلِ ونائبِه، والمبتدأِ الذي لهُ خَبَرٌ. وَيُسَمَّى الثاني مُسْنَدًا، كالفعْلِ والمبتدأِ الْمُكْتَفِي بمرفوعِه، وهوَ القِسْمُ الثاني من المبتدأِ، أي الصفةُ الواقعةُ بعدَ حرفِ النفيِ أوْ أَلِفِ الاستفهامِ رافعةً لظاهِرٍ مثلُ: ما قائمٌ الزَّيْدَانِ، وأقائِمٌ الزَّيْدَانِ، فإنَّ الصفةَ في هذينِ المثالينِ مُسْنَدَةٌ إلى ما بعدَها، وهوَ فاعلُها يَسِدُّ مَسَدَّ الْخَبَرِ.
(الكلامُ على الْخَبَرِ)
الخبرُ إِمَّا أنْ يكونَ جملةً فِعْلِيَّةً أو اسْمِيَّةً. فالأُولَى موضوعةٌ لإفادةِ الحدوثِ: أيْ لإفادةِ حدوثِ الْحَدَثِ المدلولِ عليهِ بالفعْلِ الواقعِ فيها، في زمَنٍ مخصوصٍ من الأزمنةِ الثلاثةِ، سواءٌ كانَ مُعَيَّنًا كالجملةِ الفِعْلِيَّةِ التي وَقَعَ الفعْلُ فيها ماضيًا، أوْ مُبْهَمًا كالجملةِ الفِعْلِيَّةِ التي فِعْلُها مضارعٌ، إذا قُلنا: إنَّهُ مُحْتَمِلٌ للحالِ والاستقبالِ.