الصفحة 11 من 111

معَ الاختصارِ: وهذا احترازٌ عنْ مِثْلِ قولِنا: زيدٌ قائمٌ الآنَ أوْ أمْسِ أوْ غدًا، فإنَّ دَلالتَهُ على الزمانِ المخصوصِ ليسَ إلَّا بانضمامِ قولِنا: الآنَ أوْ أمسِ أوْ غدًا. بخلافِ الْفِعْلِ؛ فإنَّهُ يَدُلُّ على أَحَدِ تلكَ الأزمنةِ بصيغتِه منْ غيرِ حاجةٍ إلى انضمامِ أمْرٍ آخَر يَدُلُّ عليهِ.

وقدْ تُفيدُ الاستمرارَ التَّجَدُّدِيَّ بالقرائنِ إذا كانَ الفعْلُ مضارعًا كقولِ طريفٍ: (أَوَكُلَّمَا وَرَدَتْ) ، الهمزةُ ههنا للاستفهامِ التقريريِّ، والواوُ للعطْفِ على مُقَدَّرٍ، أيْ: أَحَضَرَت العرَبُ في عُكاظٍ، وَكُلَّمَا وَرَدَتْ إلخ. عكاظٌ هوَ سوقٌ بينَ نَخْلَةَ والطائفِ تَجْتَمِعُ فيها قبائلُ العرَبِ فيَتفاخَرُونَ ويَتَنَاشَدُونَ، وهذا مفعولُ وَرَدَتْ بمعنى جاءتْ، قبيلةٌ فاعلةٌ. بَعَثُوا إليَّ عَرِيفَهُمْ، عَرِيفُ القومِ القَيِّمُ بأمْرِهم ورئِيسُهم الْمُتَوَلِّي للحديثِ عنهم، والكلامِ في شأنِهم، حتَّى اشْتُهِرَ بذلكَ وعُرِفَ بِهِ، يَتَوَسَّمُ: أيْ يَصْدُرُ منهُ ذلكَ التَّوَسُّمُ وَتَفَرُّسُ الوجوهِ مُتَجَدِّدًا شيئًا فشيئًا، ولحظةً فلحظةً. فهذهِ الجملةُ الفعليَّةُ تَدُلُّ على الاستمرارِ التَّجَدُّدِيِّ بمعُونَةِ الْمَقامِ وبقرينةِ السياقِ؛ لأنَّ تَعيينَ المطلوبِ إنَّما يَحْصُلُ بعدَ التَّفَرُّسِ الْمُتَجَدِّدِ كثيرًا في وجوهِ الحاضرِينَ في السوقِ.

والثانيةُ موضوعةٌ لِمُجَرَّدِ ثبوتِ الْمُسْنَدِ للمُسْنَدِ إليه: أيْ منْ غيرِ إفادتِهما الحدوثَ، ومنْ غيرِ اقتضائِهما التَّجَدُّدَ.

نحوَ: الشمسُ مضيئةٌ: وهذا بِحَسَبِ أصْلِ الوَضْعِ.

وقدْ تُفِيدُ الاستمرارَ الثُّبوتيَّ بالقرائنِ الخارجيَّةِ إذا لمْ يكُنْ في خَبَرِها فعْلٌ، إذْ لوْ كانَ في خبرِها فِعْلٌ فدَلالةُ الفِعْلِ على الحدوثِ والتَّجَدُّدِ لا تفيدُ الثبوتَ على وجهِ الاستمرارِ، نحوَ: العلْمُ نافعٌ.

والأصلُ في الخبرِ: أيْ ما وُضِعَ الْمُرَكَّبُ الخبريُّ لهُ، أنْ يُلْقَى لإفادةِ المخاطَبِ الحكْمَ الذي تَضَمَّنَهُ الجملةُ، وهوَ وقوعُ النِّسبةِ أوْ لا وقوعُها، كما في قولِنا: حَضَرَ الأميرُ، لِمَنْ لا يَعْلَمُهُ إذْ يُريدُ بهِ المتكلِّمُ إعلامَ وقوعِ الحضورِ للأميرِ.

أوْ لإفادةِ أنَّ المتكلِّمَ عالِمٌ به، وذلكَ فيما إذا كانَ المخاطَبُ عالمًا بأصْلِ الحُكْمِ، نحوَ: أنْتَ حَضَرْتَ أمسِ، فإنَّهُ يَمْتَنِعُ فيهِ إفادةُ المخاطَبِ أنَّهُ حَضَرَ أمسِ؛ لكونِه معلومًا لهُ، بلْ يُريدُ إفادةَ أنَّ الْمُتَكَلِّمَ يَعْلَمُ به، ويُسَمَّى الحكْمُ فائدةَ الخبرِ.

وكونُ المتكلِّمِ عالمًا بهِ لازِمَ الفائدةِ؛ لأنَّهُ كُلَّمَا استُفِيدَ من الخبرِ الأَوَّلِ استُفيدَ الثانِي، ولا عكْسَ؛ لِجَوَازِ أنْ يكونَ الأوَّلُ معلومًا قبلَ الخبرِ بدونِ الثانِي، فحينئذٍ يُفِيدُ الخبَرُ الثاني دونَ الأوَّلِ؛ لامتناعِ تحصيلِ الحاصلِ. فاللزومُ بينَهما ليسَ باعتبارِ وجودِهما في الواقعِ؛ لظُهورِ أنَّهُ لا يَلْزَمُ منْ تَحَقُّقِ الحكْمِ الخبرُ، فَضْلًا عنْ كونِ مُخْبِرِه عالِمًا بالحكْمِ، بلْ باعتبارِ استفادتِهما من الخبرِ، فعلى هذا جَعَلَ الحُكْمَ نفسَه فائدةَ الخبرِ، ونفسُ كونِ المتكلِّمِ عالمًا بهِ لازِمَها، لا استفادتَهُما كما جَعَلَ المصنِّفُ، إنَّما هوَ بالنَّظَرِ إلى أنَّ ما يُستفادُ من الشيءِ أحقُّ بأنْ يُسَمَّى فائدةً منْ نفسِ الاستفادةِ.

وقدْ يُلْقَى الخبرُ على خِلافِ الأصْلِ وبطريقِ الْمَجَازِ لأغراضٍ أخرى: أيْ غيرِ إفادتِه إحدى الفائِدَتَيْنِ.

كالاسترحامِ في قولِه تعالى حكايةً عنْ قولِ موسى عليهِ السلامُ: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٍ} : فإنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هذا القولِ على الإفادةِ؛ لأنَّهُ خِطابٌ لِمَنْ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وما يَخْفَى، فكيفَ يُرادُ بهِ إفادةُ الحكْمِ أوْ لازِمِه، بلْ إنَّما سِيقَ لأجْلِ طَلَبِ الرحمةِ والعطْفِ، وإنَّما عُدِّيَ فقيرٌ باللامِ لأنَّهُ ضُمِّنَ معنى سائلٍ وطالبٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت