وإظهارِ الضعْفِ في قولِ زَكَرِيَّا عليهِ السلامُ: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} ، فإنَّهُ أيضًا ليسَ للإفادةِ بلْ للتَّخَضُّعِ وإظهارِ الضَّعْفِ، وإنَّما خَصَّ العظْمَ بالذِّكْرِ لأنَّهُ عمودُ الْبَدَنِ وبهِ قَوَامُه، فإذا وَهَنَ تَدَاعَى وَتَسَاقَطَتْ قُوَّتُه.
وإظهارِ التَّحَسُّرِ في قولِ امرأةِ عِمرانَ: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} ، فمُرادُها بهذا القولِ إظهارُ التَّحَسُّرِ والتحَزُّنِ على ما فاتَ منْ رَجائِها، وهوَ كونُ الذكَرِ في بطنِها.
وإظهارِ الفَرَحِ بِمُقْبِلٍ والشماتَةِ بِمُدْبِرٍ في قولِكَ: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ} ، أيْ: ذَهَبَ وهَلَكَ، منْ قولِهم: زَهَقَتْ نفسُهُ إذا خَرَجَتْ، والحقُّ: الإسلامُ، والباطلُ: الشرْكُ. فالمقصودُ منهُ إظهارُ الفَرَحِ بإقبالِ الإسلامِ، وإظهارُ الشماتَةِ بإدبارِ الشرْكِ.
وإظهارِ السرورِ في قولِك: أَخَذْتُ جائزةَ التَّقَدُّمِ، لِمَنْ يَعْلَمُ ذلكَ، فإنَّهُ لا يكونُ حينئذٍ للإفادةِ بلْ لِمُجَرَّدِ إظهارِ السرورِ، والجائزةُ الصِّلَةُ والْعَطاءُ.
والتوبيخِ في قولِك لِلْعَاثِرِ: الشمسُ طالعةٌ، فإنَّ كوْنَ الشمسِ طَالِعَةً مِمَّا يَعْلَمُهُ كلُّ أحَدٍ، فلا يكونُ المرادُ بهِ الإفادةَ، بل الغَرَضُ التوبيخُ على عَثْرَتِه وزَلَّتِهِ.
(أَضْرُبُ الْخَبَرِ)
حيثُ كانَ قَصْدُ الْمُخْبِرِ بخبرِه إفادةَ المخاطَبِ إحدى الفائدتينِ يَنْبَغِي أنْ يَقْتَصِرَ من الكلامِ على قَدْرِ الحاجةِ: أيْ على مِقدارِ حاجةِ الْمُخْبِرِ في إفادةِ أحَدِ الأمرينِ، أوْ حاجةِ المخاطَبِ في اسْتِفَادَتِهما، فلا يَزيدُ ولا يَنْقُصُ عنْ مِقْدارِها.
حَذَرًا من اللغوِ: فإنَّهُ مُخِلٌّ بالبلاغةِ. أَمَّا على تقديرِ الزيادةِ فلزومُ اللغوِ في الكلامِ ظاهرٌ، وأمَّا على تقديرِ النُّقْصانِ فلأنَّهُ لم يَحْصُل الغَرَضُ حينئذٍ وأَخَلَّ بالمقصودِ، فيكونُ الكلامُ لَغْوًا غيرَ مُفيدٍ.
فإنْ كانَ المخاطَبُ خاليَ الذهْنِ من الْحُكْمِ أُلْقِيَ إليه الخبَرُ مُجَرَّدًا عن التأكيدِ، أيْ تأكيدِ الحكْمِ، وإنْ كانَ يَجُوزُ ههنا التأكيدُ اللفظيُّ والمعنويُّ في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ نحوَ: أخوكَ قادمٌ، إذا أَلْقَيْتَهُ إلى مَنْ لا يَعْلَمُ الحُكْمَ، فإنَّهُ لوْ أَوْرَدَ تأكيدَ الحكْمِ ههنا وقيلَ: إنَّ أخاكَ قادمٌ، لكانَ لَغْوًا لحصولِ الغرَضِ، وهوَ قَبولُ معنى الخبرِ بلا مؤَكِّدٍ؛ لأنَّ الْمَحَلَّ الخاليَ يَتَمَكَّنُ فيهِ كلُّ نَقْشٍ يَرِدُ عليهِ، وإنْ كانَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ في ذلكَ الْمِثالِ: أخوكَ أخوكَ قادمٌ، أوْ أخوكَ نفسُه قادمٌ.
وإنْ كانَ مُتَرَدِّدًا فيهِ طالبًا لمعرفتِه: وهذا ليسَ احْتِرَازًا عنْ شيءٍ، بلْ هوَ لازمٌ لِلتَّرَدُّدِ بحسَبِ الطبْعِ والعادةِ؛ فإنَّ الجاريَ طبعًا أنَّ الإنسانَ إذا تَرَدَّدَ في شيءٍ صارَ مُتَشَوِّقًا إليه، وطالبًا للاطِّلاعِ على شأنِه، وإلَّا كان مَنْسِيًّا غيرَ مُتَرَدَّدٍ فيهِ.