حَسُنَ توكيدُه: أيْ حَسُنَ في بابِ البلاغةِ تَقْوِيَتُه بِمُؤَكِّدٍ واحدٍ؛ لِيُزِيلَ ذلكَ الْمُؤَكِّدُ التَّرَدُّدَ، وَيَتَمَكَّنَ الْحُكْمُ. فلوْ زادَ على مؤكِّدٍ واحدٍ أوْ لمْ يُؤَكِّدْ أصلًا لم يُسْتَحْسَنْ، نحوَ: إنَّ أخاكَ قادمٌ، بالتأكيدِ بـ إنَّ إذا أَلْقَيْتَهُ إلى مَنْ يَتَرَدَّدُ فيهِ.
وإنْ كانَ مُنْكِرًا وَجَبَ توكيدُه بِمُؤَكَّدٍ أوْ مُؤَكَّدَيْنِ أوْ أكثرَ حَسَبَ درجةِ الإنكارِ: أيْ قوَّةً وَضَعْفًا، فإنْ كانَ الإنكارُ في الجملةِ كَفَى فيهِ التأكيدُ بِمُؤَكِّدٍ واحدٍ، وإنْْ بُولِغَ في الإنكارِ بُولِغَ في التأكيدِ بِمُؤَكِّدَيْنِ أوْ أكْثَرَ بحيثُ يُقَاوِمُه في إزالتِه، هذا على طِبْقِ ما قالَ الْمُصَنِّفُ. وعلى هذا فالفَرْقُ بينَ الْمُؤَكِّدِ الواحدِ في صورةِ الإنكارِ وبينَهُ في صورةِ التَّرَدُّدِ بالوجوبِ والاستحسانِ. وقيلَ: إنَّهُ يُزَادُ توكيدُ الخبَرِ الذي خُوطِبَ بهِ الْمُنْكِرُ على توكيدِ الطَّلَبِيِّ بحسَبِ قُوَّةِ إنكارِه وضَعْفِه. فعلى هذا لا يَجُوزُ الاكتفاءُ في صورةِ الإنكارِ بِمُؤَكِّدٍ واحدٍ، نحوَ: إنَّ أخاكَ قَادِمٌ، مؤَكِّدًا بـ إنَّ، أوْ: إنَّهُ لقادِمٌ، بزيادةِ اللامِ، أوْ: واللَّهِ إنَّهُ لَقَادِمٌ، بزيادةِ اللامِ والْقَسَمِ.
فالخبَرُ بالنسبةِ لِخُلُوِّه من التوكيدِ واشتمالِه عليهِ ثلاثةُ أَضْرُبٍ كما رأَيْتَ. وَيُسَمَّى الضَّرْبُ الأَوَّلُ وهوَ الْخُلُوُّ عن التأكيدِ ابْتِدَائيًّا، أيْ ضَرْبًا ابْتِدَائيًّا؛ لكونِه غيرَ مَسبوقٍ بطَلَبٍ وإنكارٍ.
والثاني وهوَ التأكيدُ استحسانًا طَلَبِيًّا، أيْ ضَرْبًا طَلَبِيًّا؛ لأنَّهُ مسبوقٌ بالطلَبِ أوْ لكونِه للطالِبِ.
والثالثُ وهوَ كونُ الكلامِ مُؤَكَّدًا وجوبًا، إِنْكَاريًّا، أيْ ضَرْبًا إِنْكَارِيًّا؛ لكونِه مسبوقًا بالإنكارِ، أوْ لكونِ الْمُخَاطَبِ بهِ مُنْكِرًا.
ويكونُ التوكيدُ بـ إنَّ بكسْرِ الهمزةِ، وأنَّ بفَتْحِها على ما هوَ مَذْهَبُ بعضِهم، وأكثرُهم لم يَعُدُّوهَا منْ مؤَكِّدَاتِ النِّسْبَةِ؛ لكونِ ما بعدَها في حُكْمِ الْمُفْرَدِ، ولامِ الابتداءِ، وأَحْرُفِ التنبيهِ، وهيَ ألا، وأمَا، وها، وأحرفِ القَسَمِ كـ: واوِ الْقَسَمِ وتائِه، ونونَي التوكيدِ الثقيلةِ والخفيفةِ، والحروفِ الزائدةِ، وهيَ سبعةُ أحْرُفٍ: إنْ، وأنْ مُخَفَّفَتَيْنِ، وما، ولا، ومِن، والباءِ، واللامِ، والتكريرِ، أيْ تكريرِ الجملةِ، وقد التي للتَّحْقيقِ، وأمَّا الشرطيَّةُ. هذا آخِرُ الكلامِ على الخبَرِ.
(الكلامُ على الإنشاءِ)
الإنشاءُ إِمَّا طَلَبِيٌّ أوْ غيرُ طَلَبِيٍّ، فالطَّلَبِيُّ ما يَسْتَدْعِي مَطْلُوبًا إذ الطَّلَبُ بدونِ الْمُتَعَلِّقِ غيرُ مُتَصَوَّرٍ غيرُ حاصِلٍ وقتَ الطلَبِ؛ لأنَّ الطلَبَ حقيقةً عبارةٌ عنْ إرادةِ تحصيلِ شيءٍ أو الْمَحَبَّةِ والشهوةِ لحصولِه. وظاهِرٌ أنَّ الإرادةَ لا تَتَعَلَّقُ بتحصيلِ الحاصلِ منْ حيثُ هوَ حاصلٌ، وكذا الشهوةُ في حصولِ الْمُشْتَهَى لا تَبْقَى بعدَ حصولِه، فلوْ أَوْرَدْتَ صِيغةَ الطلَبِ في الحاصِلِ لم تُحْمَلْ على معناها الحقيقيِّ، بلْ على ما يُناسِبُ الْمَقامَ، كطَلَبِ دوامِ الإيمانِ والتقوى في قولِه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} ، وقولِه تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} .
وغيرُ الطَّلَبِيِّ ما ليسَ كذلكَ: كأفعالِ الْمُقَارَبَةِ، وأفعالِ المدْحِ والذَّمِّ، وصِيَغِ العُقودِ، والقَسَمِ، ونحوَ ذلكَ.