الصفحة 14 من 111

والأوَّلُ يكونُ بخمسةِ أشياءَ: الأمرُ، والنَّهْيُ، والاستفهامُ، والتمَنِّي، والنداءُ.

وأمَّا الثاني فَسَيَجِيءُ من الْمُصَنِّفِ أنَّهُ ليسَ منْ مَبَاحِثِ عِلْمِ المعانِي؛ ولذا لم يَتَعَرَّضُوا بهِ.

أمَّا الأمْرُ فهوَ طَلَبُ الفِعْلِ على وجهِ الاستعلاءِ: أيْ طَلَبًا كائنًا على جِهةِ طَلَبِ الآمِرِ الْعُلُوَّ، سواءٌ كان عاليًا في نفسِه أوْ لا، بأنْ يكونَ كلامُه على جِهةِ الْغِلْظَةِ والقُوَّةِ لا على جهةِ التواضُعِ والخُضُوعِ كما في الدعاءِ، ولا على جهةِ المساواةِ كما في الالتماسِ.

ولَهُ أربعُ صِيَغٍ: المرادُ بصيغةِ الأمْرِ ههنا ما دَلَّ على طَلَبِ الفَعْلِ على وجهِ الاستعلاءِ، سواءٌ كان اسْمًا أوْ فِعْلًا.

فعلُ الأمْرِ، نَحْوَ: {خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} ، والمضارِعُ المقرونُ باللامِ في غيرِ الفاعلِ المخاطَبِ نحوَ: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} . وقدْ يُسْتَعْمَلُ نادرًا في الأمْرِ المخاطَبِ أيضًا.

واسمُ فعْلِ الأمْرِ، نحوَ: حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ، أيْ: أقْبِلْ عليهِ، فَحَيَّ اسمٌ بمعنى الأمْرِ.

والمصدَرُ النائبُ عنْ فِعْلِ الأمْرِ، نحوَ: سَعْيًا في الخيرِ، أي: اسْعَ فيهِ، فسَعْيًا ههنا قائمٌ مَقامَ فِعْلِ الأمرِ المحذوفِ لازمًا.

وقدْ تَخْرُجُ صِيَغُ الأمْرِ عنْ معناها الأصليِّ إلى معانٍ أُخَرَ تُفْهَمُ منْ سِياقِ الكلامِ وقرائنِ الأحوالِ، وهيَ نحوَ سِتَّةٍ وعشرينَ، ذَكَرَها أهلُ الأصولِ، وذَكَرُوا العَلاقةَ أيضًا بينَ الْمَعنى الأصليِّ لصِيَغِ الأمْرِ وبينَ تلكَ المعانِي، وذَكَرَ المصنِّفُ بعضًا منْ تلكَ المعانِي، ولم يَتَعَرَّضْ لبيانِ العَلاقةِ أَصْلًا نَظَرًا للاختصارِ:

كالدعاءِ: أي الطلبِ على سبيلِ التَّضَرُّعِ والخضوعِ، نحوَ {أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ} .

والالتماسِ: كقولِكَ لِمَنْ يُساوِيكَ في الرُّتْبَةِ: أَعْطِنِي الكتابَ، بدونِ الاستعلاءِ والتضرُّعِ.

والتَّمَنِّي: وهوَ طَلَبُ محبوبٍ لا طَمَاعِيَةَ فيهِ، وذلكَ في مَقَامٍ لا يَقْدِرُ المأمورُ على تحصيلِ المطلوبِ، نحوَ:

ألا أيُّها الليلُ الطويلُ أَلَا انْجَلِي * بصُبْحٍ وما الإصبَاحُ منكَ بأَمْثَلِ

فليسَ المرادُ طَلَبَ الانجلاءِ من الليلِ؛ لأنَّهُ لا يَقْدِرُ على ذلكَ، بلْ تَمَنِّي الانجلاءِ فقطْ، وقولُه: وما الإصباحُ منكَ بأَمْثَلِ، أيْ: أَفْضَلَ، كلامٌ تقديريٌّ، فكأنَّهُ يقولُ: هذا الليلُ لا طَمَاعِيَةَ في زوالِه وانكشافِه، وعلى تقديرِ الانكشافِ فالإصباحُ لا يكونُ أفْضَلَ منهُ عندي؛ لأنِّي أُقَاسِي هُمُومِي نهارًا كما أُقَاسِيها ليلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت