ما لي في صدورِهم مِنْ مَوْدَدَةْ
مخالِفٌ للقياسِ؛ لأنَّ منْ قواعدِهم أنَّ الْمِثْلَيْنِ إذا اجْتَمَعَا في كلمةٍ، وكان الثاني منهما متَحَرِّكًا ولمْ يكُنْ زائدًا لِغَرَضٍ، وجَبَ الإدغامُ.
وضَعْفُ التأليفِ والتعقيدُ اللفظيِّ يُعْرَفُ كلٌّ منهما بالنحْوِ: أَمَّا الأوَّلُ فظَاهِرٌ. وأمَّا الثاني؛ فلأنَّ سببَه إِمَّا ضَعْفُ التأليفِ أو اجتماعُ أمورٍ مخالِفَةٍ للأصْلِ، والنحوُ يُبَيِّنُ ما هوَ الأصْلُ، وما هوَ خِلافُه.
والغرابةُ يُعْرَفُ بكثرةِ الاطِّلاعِ على كلامِ العَرَبِ؛ لأنَّ مَنْ تَيَسَّرَ لهُ كثرةُ الاطِّلاعِ على كلامِهم حَصَلَ لهُ الإحاطةُ بالألفاظِ الْمَأْنُوسَةِ، وعَلِمَ أنَّ ما عدَاها مِمَّا هوَ غيرُ ظاهِرِ الدَّلالةِ على المعنى الموضوعِ لهُ فهوَ غريب ٌ.
والتعقيدُ المعنويُّ يُعْرَفُ بالبيانِ: إذْ بهِ يُعْرَفُ اختلافُ طُرُقِ الدَّلالةِ في الوضوحِ، وتمييزُ السالِمِ عن التعقيدِ المعنويِّ من المشتَمِلِ عليهِ.
والأحوالُ وَمُقْتَضَيَاتُها يُعْرَفُ بالمعانِي: وهذا ظاهِرٌ منْ تعريفِه الآتِي عنْ قريبٍ.
فوَجَبَ على طالبِ البلاغةِ معرفةُ اللغةِ والصرْفِ والنَّحْوِ والمعانِي والبيانِ كلِّها، معَ كونِه سَلِيمَ الذَّوْقِ كثيرَ الاطِّلاعِ على كلامِ العرَبِ، إلَّا أنَّ تَعَلُّقَ المعاني والبيانِ بالبلاغةِ لَمَّا كانَ أَزْيَدَ منْ تَعَلُّقِ غيرِهما بها لأنَّهُما لا يَبْحَثَانِ إلَّا عمَّا يَتَعَلَّقُ بالبلاغةِ سَمَّوْا هذينِ العِلْمَيْنِ بالبلاغةِ. ولَمَّا كان موضوعُ علْمِ البيانِ أَخَصَّ تَحَقُّقًا منْ موضوعِ علْمِ المعاني، ونازلًا منهُ مَنْزِلَةَ الشُّعْبَةِ من الأصْلِ؛ لأنَّ المعانيَ يَبْحَثُ عن الألفاظِ منْ حيثُ دَلالتُها على الخواصِّ، سواءٌ كانتْ مُستعمَلَةً في المدلولاتِ الوَضْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، والبيانِ عن الألفاظِ الْمُستعمَلَةِ في المدلولاتِ العقليَّةِ منْ حيثُ تَفَاوُتُها في الجلاءِ والْخَفاءِ؛ قَدَّمَ المعانيَ على البيانِ فقالَ:
عِلْمُ المعانِي