الصفحة 72 من 111

سوداءُ واضحةُ الْجَبِينِ * كمُقْلَةِ الظَّبْيِ الغَريرِ

فإنَّهُ شَبَّهَ سوادَها بسوادِ مُقْلَةِ الظَّبْيِ تحسينًا لها، وتصويرًا بصورةٍ حَسَنَةٍ عندَ السامعِ؛ فإنَّ السوادَ الكائنَ في مُقْلَةِ الظَّبْيِ مُسْتَحْسَنٌ طبعًا.

وإمَّا تَقْبِيحُه، أيْ إيقاعُ قُبْحِ المُشَبَّهِ في ذِهْنِ السامعِ بإلحاقِه بما تَحَقَّقَ فيهِ القُبْحُ عندَهُ لِيَتَنَفَّرَ عنهُ، نحوَ:

وإذا أَشارَ مُحَدِّثًا فكأنَّهُ * قِرْدٌ يُقَهْقِهُ أوْ عَجُوزٌ تَلْطُمُ

شَبَّهَ الْمَهْجُوَّ حالةَ تحديثِه بقِرْدٍ حالةَ القَهْقَهَةِ، أوْ بعجوزٍ حالةَ لَطْمِ وَجْهِهَا؛ تقبيحًا لهُ وتنفيرًا عنه.

وقدْ يعودُ الغَرَضُ إلى المُشَبَّهِ بهِ إذا عُكِسَ طَرَفا التشبيهِ بأنْ يُجْعَلَ ما هوَ مُشَبَّهٌ في نفسِ الأمْرِ وناقصٌ بالأصالةِ مُشَبَّهًا به، ويُجْعَلُ ما هوَ مُشَبَّهٌ بهِ فيها وكاملٌ بالأصالةِ مُشَبَّهًا؛ لإيهامِ كونِ المُشَبَّهِ الذي جُعِلَ مُشَبَّهًا بهِ أَتَمَّ من المُشَبَّهِ بهِ الذي جُعِلَ مُشَبَّهًا؛ لأنَّ مُقْتَضَى أصْلِ تركيبِ التشبيهِ كونُ المُشَبَّهِ بهِ في الكلامِ أكْمَلَ من المُشَبَّهِ فيعودُ الغَرَضُ إلى ما جُعِلَ مُشَبَّهًا بهِ لفظًا، نحوَ:

(وَبَدَا) ، أيْ: ظَهَرَ الصباحُ، (كأنَّ غُرَّتَه) ، أيْ: بياضَ الصبْحِ وإشراقَه، (وَجْهُ الخليفةِ حينَ يُمْتَدَحُ) ، فوجْهُ الخليفةِ مُشَبَّهٌ بغُرَّةِ الصباحِ في الحقيقةِ، لكنَّ الشاعِرَ عَكَسَ التشبيهَ قَصْدًا إلى ادِّعاءِ أنَّهُ أكمَلُ منْ غُرَّةِ الصباحِ في الضياءِ على قاعدةِ ما يُفيدُه التشبيهُ منْ كونِ المُشَبَّهِ بهِ في الكلامِ أقوى من المُشَبَّهِ في وجهِ الشَّبَهِ. ومثلُ هذا يُسَمَّى بالتشبيهِ المقلوبِ، ووجهُه ظاهِرٌ؛ لأنَّهُ يُجْعَلُ فيهِ الناقصُ في وجهِ الشبَهِ مُشَبَّهًا به، والكاملُ فيهِ مُشَبَّهًا، وهوَ قَلْبٌ لِمَا هوَ الأصْلُ في التشبيهِ منْ كمالِ المُشَبَّهِ بهِ عن المُشَبَّهِ في وجهِ الشبَهِ.

الْمَجَازُ

قالَ في الحاشيةِ: إذا أُطْلِقَ الْمَجازُ لا يَنْصَرِفُ إلَّا إلى اللُّغَوِيِّ، وسيأتي مَجَازٌ يُسَمَّى بالْمَجَازِ العقليِّ، انتهى.

يُشيرُ بهذا إلى أنَّ المرادَ بالْمَجَازِ ههنا هوَ الْمَجَازُ اللُّغَوِيُّ، لكنْ لمْ يُقَيَّدْ بهِ؛ لأنَّ الْمَجَازَ إذا أُطْلِقَ انْصَرَفَ إلى اللُّغَوِيِّ، فلا حاجةَ إلى التقييدِ بهِ؛ لأنَّهُ يَحْصُلُ من الإطلاقِ ما يَحْصُلُ بالتقييدِ من الاحترازِ عن الْمَجَازِ العقْلِيِّ الذي سيَجِيءُ بيانُه، هوَ اللفظُ.

قالَ في الحاشيةِ: عَبَّرَ باللفظِ دونَ الكلمةِ؛ ليَشْمَلَ التعريفُ الْمَجَازَ الْمُفْرَدَ والْمَجَازَ الْمُرَكَّبَ، انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت