صارَ هوَ مُبَايِنًا لأصلِه، وشيئًا مُنْفَرِدًا بنفسِه، وهذا مِمَّا لا يَشُكُّ في إمكانهِ أحَدٌ لوقوعِه، فيُسَلِّمُ إمكانَ الدَّعْوى ولا يَشُكُّ في إمكانِه أيضًا.
وإمَّا بيانُ حالِه بأنَّهُ على أيِّ وَصْفٍ من الأوصافِ، وهذا إنَّما يكونُ إذا عَلِمَ السامِعُ حالَ المشبَّهِ به، وجَهِلَ حالَ المشبَّهِ، فيُؤْتَى بالتشبيهِ ليَتَقَرَّرَ بهِ حالُ المشبَّهِ، كما في قولِه:
كأنَّكَ شمسٌ والملوكَ كواكبٌ * إذا طَلَعْتَ لم يَبْدُ منهنَّ كَوْكَبُ
فإنَّ وصْفَ الشمسِ، وهوَ عدَمُ ظهورِ الكواكبِ عندَ ظهورِها، لَمَّا كانَ بَيِّنًا ومعلومًا للسامِعِ، شَبَّهَ الممدوحَ بها لبيانِ أنَّ حالَهُ بالنِّسبةِ إلى سائرِ الملوكِ كحالِ الشمْسِ بالنِّسبةِ إلى الكواكبِ.
وإمَّا بيانُ مِقدارِ حالِه، يعني إذا عَرَفَ أحدٌ حالَ المُشَبَّهِ، وَجَهِلَ مِقْدَارَ هذه الحالِ في القوَّةِ والضعْفِ، والزيادةِ والنُّقصانِ، فإنَّكَ تُبَيِّنُ لهُ ذلكَ بتَشبيهِه بما هوَ في مَرتَبَةٍ خاصَّةٍ لتلكَ الحالِ من الشدَّةِ والضَّعْفِ، فيكونُ غَرَضُكَ منْ إيرادِ التشبيهِ بيانَ ذلكَ الْمِقْدَارِ، نحوَ: (فيها) ، أيْ: في قبيلةِ المحبوبةِ، (اثنتانِ وأربعونَ حَلُوبَةً) ، أيْ: مَحلوبةً، (سُودًا) ، أشارَ بهذا الوَصْفِ إلى أنَّهُم يُسْرِعُونَ في السَّيْرِ؛ فإنَّ سُودَ الإبِلِ تَصْبِرُ على العَطَشِ أكثرَ منْ غيرِها، (كخَافِيَةِ الغُرابِ) ، الخافيةُ: واحدُ الخَوافِي، وهيَ الرِّيشَاتُ التي تَخْفَى عندَما يَضُمُّ الطائرُ جَنَاحَيْهِ، (الأسْحَمِ) ، أي: الأسودِ. فلما كانَ حالُ سوادِ النُّوقِ السُّودِ مَعلومًا، ولكنْ جُهِلَ مِقدارُ تلكَ الحالِ منْ شِدَّةٍ أوْ ضَعْفٍ، شَبَّهَ النُّوقَ السُّودَ بخافِيَةِ الغرابِ في شِدَّةِ سوادِها؛ بيانًا لِمِقدارِ سوادِها، أيْ سوادِ النُّوقِ السودِ.
وإمَّا تقريرُ حالِه، وإنَّما لمْ يَقُلْ ههنا: وإمَّا بيانُ تقريرِ حالِه، بإيرادِ لفظِ البيانِ كما قالَ فيما سَبَقَ؛ لأنَّ التقريرَ ليسَ شيئًا خارِجًا عن البيانِ، بلْ هوَ نوعٌ منهُ، وهوَ البيانُ على وَجْهِ التَّمَكُّنِ. والحاصلُ أنَّ الغَرَضَ من التشبيهِ قدْ يكونُ تقريرَ حالِ المُشَبَّهِ في ذِهْنِ السامعِ، وتمكينَها في نفسِه بسببِ إلحاقِه بأمرٍ وُجِدَتْ فيهِ تلكَ الحالُ على وَجْهٍ أَظْهَرَ وأَقْوَى، نحوَ:
إنَّ القلوبَ إذا تَنَافَرَ َوُدُّها * مِثْلُ الزجاجةِ كَسْرُها لا يُجْبَرُ
شَبَّهَ تَنَافُرَ القلوبِ بكسْرِ الزجاجةِ؛ لأنَّ عدَمَ جَبْرِ هذا الكَسْرِ، وعدَمَ عَوْدِ الزجاجةِ إلى ما كانتْ عليهِ أمْرٌ حِسِّيٌّ مُتَحَقَّقٌ بالشهودِ، فأَتَى بتشبيهِ تَنَافُرِ القلوبِ بهذا الكَسْرِ تقريرًا وتثبيتًا لتَعَذُّرِ عودتِها إلى ما كانتْ عليهِ من الْمَوَدَّةِ؛ لأنَّ النفْسَ بالْحِسِّيِّ أكثرُ إِلْفًا منها بغيرِه، فيَحْصُلُ بهذا التشبيهِ منْ تقريرِ تَعَذُّرِ العَوْدِ للقلوبِ إلى الْمَوَدَّةِ ما لا يَحْصُلُ بغيرِه.
وإمَّا تَزْيينُه، أيْ إيقاعُ زينةِ المُشَبَّهِ في عينِ السامِعِ، وتصويرُه بصورةٍ حَسَنَةٍ لهُ؛ ترغيبًا فيهِ لا بيانَ الزَّيْنِ الكائنِ فيه، ولذا لمْ يُورِدْ لفظَ البيانِ، نحوَ: