هذا البَعْضُ لم يُوجَدْ في المُشَبَّهِ الذي هوَ النحوُ؛ لأنَّ الْمُرادَ بالنحوِ ههنا ما يُسْتَعْمُل منهُ ويُرَاعَى في الكلامِ منْ قواعدِه المعلومةِ، وأحكامِه الْمُقَرَّرَةِ، وهذا مِمَّا لا يَحْتَمِلُ القِلَّةَ والكثرةَ؛ لأنَّهُ إذا اعْتُبِرَ بكمالِه صَحَّ الكلامُ وصارَ صالحًا لفَهْمِ المرادِ، وإنْ سَقَطَ منهُ شيءٌ فَسَدَ ولم يُنْتَفَعْ بهِ، بخلافِ الْمِلْحِ فإنَّهُ يَقْبَلُ القِلَّةَ والكثرةَ باعتبارِ ما يُجعَلُ فيهِ من الطعامِ. فما جَعَلَه هذا البعضُ وجهَ الشبهِ لا يَصْلُحُ لهُ.
ويَنْقَسِمُ باعتبارِ أداتِه إلى: مؤكَّدٍ، وهوَ ما حُذِفَتْ أداتُه أيْ بحيثُ لا يُعْتَبَرُ تقديرُها في نَظْمِ الكلامِ؛ لأنَّهُ يُفيدُ حينئذٍ جَعْلَ المُشَبَّهِ نفسَ المُشَبَّهِ به، فيَتَحَقَّقُ معنى تأكيدِ التشبيهِ. بخلافِ ما إذا اعْتُبِرَتْ مُقَدَّرَةً؛ لأنَّها تكونُ حينئذٍ كالمذكورةِ فلا يَتَحَقَّقُ معنى التأكيدِ إذْ مَنْشَأُهُ ادِّعاءُ الاتِّحادِ بينَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بهِ، نحوَ: (هوَ بَحْرٌ في الْجُودِ) ، بادِّعاءِ كونِه نفسَ البحرِ.
ومُرْسَلٍ، وهوَ ما ليسَ كذلكَ، أيْ لمْ يُحْذَفْ أداتُه، نحوَ (هوَ كالبحْرِ كَرَمًا) ؛ وإنَّما سُمِّيَ بذلكَ لكونِه مُرْسَلًا من التأكيدِ المستفادِ منْ حَذْفِ الأداةِ.
ومن المؤكَّدِ ما أُضيفَ فيهِ المُشَبَّهُ بهِ إلى المُشَبَّهِ إضافةً بيانيَّةً مُقتضِيَةً للاتِّحادِ بينَ المضافِ والمضافِ إليه، فيَتَحَقَّقُ منشأُ التأكيدِ، وهوَ جَعْلُ المُشَبَّهِ نفسَ المُشَبَّهِ بهِ، نحوَ: (والريحُ تَعْبَثُ) ، أيْ: تَلْعَبُ، (بالغُصُونِ) وتُحَرِّكُها تَحْريكًا كفِعْلِ اللاعبِ، (وقدْ جَرَى) ، أيْ: ظَهَرَ، والجملةُ حاليَّةٌ، (ذَهَبُ الْأَصِيلِ) ، أيْ: صُفْرَتُه التي كالذَّهَبِ، والأَصيلُ بفتْحِ الهمزةِ هوَ الوقتُ بعدَ العَصْرِ إلى الغروبِ، (على لُجَيْنِ الماءِ) ، اللُّجَيْنُ بضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الجيمِ هوَ الفِضَّةُ، وهذهِ الإضافةُ إضافةُ المُشَبَّهِ بهِ إلى المُشَبَّهِ، والتقديرُ باعتبارِ أَصْلِ التركيبِ، وحاصلُ المعنى على الماءِ الذي هوَ كاللُّجَيْنِ في البياضِ والصفاءِ، فحُذِفَتْ أداةُ التشبيهِ حَذْفًا يُعْتَبَرُ معهُ تَنَاسِي التقديرِ في نَظْمِ الكلامِ، ثمَّ نُقِلَ المُشَبَّهُ بهِ عنْ مكانِه، وجُعِلَ مضافًا إلى المُشَبَّهِ إضافةً بيانيَّةً؛ ليُشْعِرَ جَعْلَ أحدِهما نفسَ الآخَرِ، ويَتَحَقَّقَ معنى تأكيدِ التشبيهِ. وهذهِ الإضافةُ هيَ مَحَلُّ الاستشهادِ.
* المبحثُ الثالثُ في أغراضِ التشبيهِ *
الغَرَضُ من التشبيهِ إمَّا بيانُ إمكانِ المُشَبَّهِ، وذلكَ إذا كانَ المُشَبَّهُ أَمْرًا غَرِيبًا رُبَّمَا يُدَّعَى الاستحالةُ فيهِ، فيُؤْتَى بتشبيهِه بما هوَ مُسَلَّمُ الإمكانِ؛ ليَثْبُتَ بهِ إمكانُ المُشَبَّهِ، نحوَ: (فإنْ تَفُق الأَنَامَ) ، أيْ: بصِفاتِك الفاضلةِ التي تَتَنَاهى إلى حدٍّ تصيرُ بها أنْتَ كأنَّكَ مُبايِنٌ للأنامِ ومنفرِدٌ منهم، (وأنتَ منهم) ، أيْ: والحالُ أنَّكَ منهم بحسَبِ الحقيقةِ؛ لكونِكَ آدَمِيًّا بالأصالةِ، فلا بُعْدَ في ذلكَ، (فإنَّ الْمِسْكَ) في أصْلِه (بعضُ دَمِ الغَزَالِ) ، وقدْ صارَ بكمالِ أوصافِه خارجًا عنْ جِنْسِه مُبَايِنًا لهُ، فأنت مثلُ الْمِسكِ، وحالُك كحالِه، وهذا التشبيهُ وإنْ لم يُذْكَرْ في البيتِ صراحةً، لكنَّهُ فُهِمَ منهُ ضِمْنًا، والمقصودُ منهُ إثباتُ إمكانِ الْمُشبَّهِ؛ فإنَّهُ لَمَّا ادَّعَى أنَّ الممدوحَ مبايِنٌ لأصلِه بخصائصَ وصفاتٍ، جَعَلَتْهُ تلكَ الخصائصُ والصفاتُ حقيقةً منفرِدَةً، وكانَ ذلكَ مِمَّا يُسْتَغْرَبُ جِدًّا، ويُمْكِنُ أن يُدَّعَى استحالتُه، احْتَجَّ على إمكانِ دَعْوَاهُ بتشبيهِه بالْمِسْكِ الذي أصْلُه دمُ الغزالِ، ومعَ ذلكَ