الصفحة 69 من 111

ويَنْقَسِمُ التشبيهُ باعتبارِ وجهِ الشَّبَهِ إلى تمثيلٍ وغيرِ تمثيلٍ:

فالتمثيلُ: أيُّ تشبيهٍ كانَ وجْهُهُ مُنْتَزَعًا ومأخوذًا منْ مُتَعَدِّدٍ؛ أَمْرَيْنِ أوْ أمورٍ، وكتشبيهِ الثُّرَيَّا بعُنقودِ الْعِنَبِ الْمُنَوَّرِ في قولِ الشاعرِ:

وقدْ لَاحَ في الصُّبْحِ الثُّرَيَّا كما تَرَى * كعُنقودِ مُلَّاحِيَّةٍ حين نَوَّرَا

ومعنى لاحَ: بدا وظَهَرَ، وأَرادَ بالصُّبْحِ ضوءَ الصباحِ في سوادِ الليلِ، والثُّرَيَّا تصغيرُ ثَرَوَى مؤنَّثُ ثَرْوَانَ، كَسَكْرَى مؤنَّثِ سَكْرَانَ، للمرأةِ الثَمُولةِ، سُمِّيَ بِمُصَغَّرِها النجمُ لكثرةِ كواكبِه وضِيقِ مَحَلِّه، ومُلَّاحِيَّةٍ: بضَمِّ الميمِ وتشديدِ اللامِ، عِنَبٌ أبيضُ طويلٌ، فإضافةُ العُنقودِ إلى مُلَّاحِيَّةٍ بيانيَّةٌ، وقولُه (حينَ نَوَّرَا) ، أيْ: تَفَتَّحَ نَوْرُه، والنَّوْرُ الزَّهْرُ. ومعنى البيتِ أنَّ الثُّرَيَّا الشَّبيهةَ بالعِنَبِ حينَ نَوَّرَ قدْ لاحَتْ في الصُّبْحِ كما تَرَى، فوَجْهُ الشبَهِ بينَ الثُّرَيَّا والعِنَبِ الْمُنَوَّرِ هوَ الهيئةُ الحاصلةُ منْ تَقَارُنِ صُوَرِ النجومِ في الثُّرَيَّا وصُوَرِ حَبَّاتِ العِنَبِ الْمُنَوَّرِ في العُنقودِ على الكيفيَّةِ المخصوصةِ التي ليسَ فيها غايةُ التلاصُقِ، ولا شِدَّةُ الافتراقِ.

غيرُ التمثيلِ: ما ليسَ كذلكَ، أيْ لمْ يكُنْ وجْهُه مُنْتَزَعًا منْ مُتَعَدِّدٍ، كتشبيهِ النَّجْمِ بالدرْهَمِ؛ فإنَّ وجهَ الشبَهِ ههنا وهوَ البياضُ والصفا ليسَ مُنْتَزَعًا منْ مُتَعَدِّدٍ.

ويَنْقَسِمُ بهذا الاعتبارِ أيضًا: أيْ ويَنْقَسِمُ التشبيهُ انقسامًا آخَرَ باعتبارِ وَجْهِ الشَّبَهِ أيضًا إلى مُفَصَّلٍ ومُجْمَلٍ:

الْمُفَصَّلُ والْمُجْمَلُ ههنا من التفصيلِ الذي هوَ الصراحةُ بالذِّكْرِ، ومن الإجمالِ الذي هوَ عَدَمُ ذِكْرِ الشيءِ صريحًا كما قالَ.

فالأوَّلُ ما ذُكِرَ فيهِ وَجْهُ الشَّبَهِ، نحوَ: وثَغْرُه، أيْ: فَمُه، والمرادُ أسنانُ فَمِه في صَفَاءٍ، هذا وَجْهُ الشَّبَهِ، وقولُه (وأَدْمُعِي) عَطْفٌ على ثَغْرِه. فالمعنى أنَّ ثَغْرَهُ وأَدْمُعِي كِلَيْهِمَا في صفاءٍ كالَّآلِي، أيْ: كالجواهِرِ الصافيةِ. فهذا مِثالٌ للتشبيهِ الْمُفَصَّلِ لكونِ التصريحِ بوجْهِ الشبَهِ فيهِ.

والثاني ما ليسَ كذلكَ، أيْ لم يُذْكَرْ فيهِ وجْهُ الشبهِ، وإنْ كانَ يُفْهَمُ معنًى، إِمَّا ظاهرًا بحيثُ يَفْهَمُه كلُّ أَحَدٍ، نحوَ: (زيدٌ كالأسدِ) ؛ فإنَّ كلَّ أَحَدٍ مِمَّنْ يَفْهَمُ معنى هذا الكلامِ يَفْهَمُ أنَّ وَجْهَ الشَّبَهِ هوَ الشجاعةُ. أوْ خَفِيًّا لا يَفْهَمُه إلَّا الخواصُّ، نحوَ: (النَّحْوُ في الكلامِ كالْمِلْحِ في الطعامِ) ؛ فإنَّ وجْهَ الشبَهِ بينَ النحوِ والْمِلْحِ هوَ الصلاحُ بالإعمالِ والفسادُ بالإهمالِ، وهذا ممَّا لا يَفْهَمُه كلُّ مَنْ يَفْهَمُ معنى هذا الكلامِ؛ ولذا خَفِيَ على بعضِ الأذهانِ، وتُوُهِّمَ أنَّ وجْهَ الشبهِ بينَهما كونُ القليلِ مُصْلِحًا، والكثيرِ مُفْسِدًا، ولمْ يُفْهَمْ أنَّ وَجْهَ الشبَهِ لا بُدَّ أنْ يكونَ مشْتَرَكًا بينَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ به، وهذا الوجْهُ الذي ذَكَرَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت