الصفحة 68 من 111

كالليلِ الْمُقْمِرِ؛ لاختلاطِ ضَوْئِه بالسَّوَادِ. وإنَّما كانَ هذا التشبيهُ منْ تشبيهِ الْمُرَكَّبِ بالْمُفْرَدِ؛ فإنَّهُ شَبَّهَ هيئةً حاصِلةً من النهارِ الْمُشمِسِ الذي اخْتَلَطَتْ بهِ أَزهارُ الرَّبْواتِ بالليلِ الْمُقْمِرِ، وكانَ المُشَبَّهُ فيهِ مُرَكَّبًا، والمُشَبَّهُ بهِ مُفْرَدًا مُقَيَّدًا.

ويَنْقَسِمُ التشبيهُ باعتبارِ الطرَفَيْنِ أيضًا منْ حيثُ وجودُ التَّعَدُّدِ فيهما معًا إلى ملفوفٍ ومَفروقٍ، ومنْ حيثُ وجودُ التَّعَدُّدِ في أحدِهما فقطْ إلى تشبيهِ التسويةِ وتشبيهِ الجمْعِ.

فالملفوفُ، أنْ يُؤْتَى أوَّلا بمُشَبَّهَيْنِ أوْ أكثَرَ بطريقِ العَطْفِ أوْ غيرِه، ثمَّ يُؤْتَى بالمُشَبَّهِ بهما أوْ بالمُشَبَّهِ بها بذلكَ الطريقِ، نحوَ قولِ امرئِ القَيْسِ في وَصْفِ العُقَابِ بكثرةِ اصطيادِ الطيورِ: (كأنَّ قُلوبَ الطَّيْرِ) حالَ كونِ بعضِها (رَطْبًا) ، وبعضِها (يابِسًا) ، فهما حالانِ من القلوبِ على التوزيعِ، (لدى وَكْرِها) ، أيْ: وَكْرِ العُقَابِ، والوَكْرُ عُشُّ الطائرِ وإنْ لمْ يكُنْ فيهِ، (العُنَّابُ والْحَشَفُ) ، هوَ أَرْدَأُ التَّمْرِ، (الْبَالِي) ، صفةُ الْحَشَفِ لتأكيدِ المشابَهَةِ؛ حيثُ كانَ في مقابَلَةِ قلوبِ الطيرِ اليابسةِ؛ فإنَّهُ شَبَّهَ الرَّطْبَ الطَّرِيَّ منْ قلوبِ الطيرِ بالعُنَّابِ، واليابِسَ العَتيقَ منها بالتمْرِ الرديءِ، فذَكَرَ أوَّلًا المُشَبَّهَيْنِ ثمَّ المُشَبَّهَ بهما على الترتيبِ، وإنَّما سُمِّيَ هذا التشبيهُ بالملفوفِ لوجودِ لفِّ المُشَبَّهاتِ وضَمِّ بعضِها إلى بعضٍ فيه، وكذلكَ المُشَبَّهاتُ بها.

والمفروقُ، أنْ يُؤْتَى بمُشَبَّهٍ ومُشَبَّهٍ بهِ ثمَّ بمُشَبَّهٍ آخَرَ ومُشَبَّهٍ بهِ آخَرَ، ثمَّ كذلكَ، نحوَ: (النَّشْرُ مِسْكٌ) ، أي: النَّشْرُ منْ هؤلاءِ النِّسوةِ والرائحةُ الطَّيِّبَةُ منهنَّ كَنَشْرِ الْمِسْكِ ورائحتِه في الاستطابَةِ، (والوجوهُ) منهنَّ (دنانيرُ) ، أيْ: كالدنانيرِ من الذَّهَبِ في الاستدارةِ والاستنارةِ معَ مخالَطَةِ الصُّفْرَةِ؛ فإنَّ الصُّفْرَةَ مِمَّا يُسْتَحْسَنُ في ألوانِ النساءِ، (وأطرافُ الْأَكُفِّ) منهنَّ، والمرادُ بها الأصابعُ، (عَنْمُ) ، أيْ: كعَنْمٍ، وهوَ شَجَرٌ لَيِّنُ الأغصانِ مُحْمَرٌّ تُشَبَّهُ بهِ أصابِعُ الْجَواري الْمُخَضَّبَةُ. ففيهِ ثلاثُ تشبيهاتٍ؛ لأنَّهُ شَبَّهَ النَّشْرَ بالْمِسْكِ، والوُجوهَ بالدنانيرِ، والأصابعَ بالعَنْمِ، وَجَعَلَ كلَّ مُشَبَّهٍ معَ ما هوَ مُشَبَّهٌ بهِ منْ غيرِ أنْ يَتَّصِلَ أحدُ المُشَبَّهَيْنِ بالمُشَبَّهِ الآخَرِ، بلْ فَرَّقَ بينَ المُشَبَّهاتِ بالمُشَبَّهاتِ بها، وفَرَّقَ بينَ المُشَبَّهاتِ بها بالمُشَبَّهاتِ؛ ولذا سُمِّيَ هذا القِسمُ مَفْروقًا.

وإنْ تَعَدَّدَ المُشَبَّهُ دونَ المُشَبَّهِ بهِ سُمِّيَ هذا التشبيهُ الذي وُجِدَ فيهِ ذلكَ التَّعَدُّدُ تشبيهَ التسويةِ؛ لوجودِ التسويةِ فيهِ بينَ المُشَبَّهاتِ فيما أُلْحِقَتْ به، وهوَ المُشَبَّهُ بهِ، نحوَ: (صُدْغُ الحبيبِ) ، الصُّدْغُ بضَمِّ الصادِ ما بينَ الأُذُنِ والعينِ، ويُطْلَقُ على الشعْرِ الْمُتَدَلِّي من الرأسِ على هذا الْمَوْضِعِ، وهوَ الْمُرادُ ههنا، (وحالي * كِلَاهُما كاللَّيَالِي) في السوادِ، إلَّا أنَّ السوادَ في الصُّدْغِ حقيقيٌّ، وفي الحالِ تَخْيِيلِيٌّ، فقدْ تَعَدَّدَ فيهِ المُشَبَّهُ، وهوَ صُدْغُ الحبيبِ، وحالُ المتكلِّمِ، واتَّحَدَ المُشَبَّهُ به، وهوَ الليالي.

وإنْ تَعَدَّدَ المُشَبَّهُ بهِ دونَ المُشَبَّهِ سُمِّيَ ذلكَ التشبيهُ الذي تَعَدَّدَ فيهِ المُشَبَّهُ بهِ فقطْ تَشْبِيهَ الجمْعِ؛ لأنَّكَ جَمَعْتَ فيهِ للمُشَبَّهِ الواحدِ أُمورًا مُشَبَّهًا بها، نحوَ: (كأنَّما يَبْسِمُ) ، مضارِعٌ من الْبَسْمِ، وهوَ التَّبَسُّمُ، وأقَلُّ الضَّحِكِ وأحْسَنُه، وفَاعِلُه ضميرٌ فيهِ يَرْجِعُ إلى الْإِثْمِدِ المذكورِ في الشِّعْرِ قَبْلَه، وهوَ الناعِمُ البَدَنِ عنْ لؤلؤٍ، وهوَ الْجَوْهَرُ الصافي المعروفُ، (مُنَضَّدٍ) ، أيْ: مُنَظَّمٍ، (أوْ) يَبْسِمُ عنْ (بَرَدٍ) ، وهوَ الْحَبُّ النازِلُ من السَّحَابِ معَ المطَرِ، (أو) يَبْسِمُ عنْ (أُقَاحٍ) ، جَمْعِ أُقْحُوانٍ بضَمِّ الهمزةِ، وهوَ البَابُونْجُ كما في الحاشيةِ، وهوَ نَوْرٌ يَنْفَتِحُ كالوردِ، وأوراقُه في شَكْلِها أَشْبَهُ شيءٍ بالأسنانِ في اعتدالِها، ففيهِ تشبيهُ الأسنانِ بثلاثةِ أشياءٍ: اللؤلؤُ الْمُنَضَّدُ والبَرَدُ والأُقَاحِي، فقدْ تَعَدَّدَ المُشَبَّهُ به واتَّحَدَ المُشَبَّهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت