الصفحة 67 من 111

للنساءِ؛ فلذا لمْ يُعَدَّ المجرورُ قَيْدًا في المُشَبَّهِ به، وجُعِلَ هذا القولُ منْ تَشبيهِ الْمُفرَدِ بالمفْرَدِ بلا قَيْدٍ؛ لأنَّ المرادَ بالقَيْدِ ليسَ هوَ مُطْلَقُ القيْدِ بلْ ما لهُ دَخْلٌ في وَجْهِ الشَّبَهِ.

والثاني نحوَ: الساعي بغيرِ طائلٍ كالراقِمِ على الماءِ؛ لأنَّ المُشَبَّهَ في هذا ليسَ مُجَرَّدَ الساعي ما لم يُقَيَّدْ بكونِه بحيثُ لا يَحْصُلُ منْ سَعْيِه على شيءٍ، وكذا المُشَبَّهُ بهِ ليسَ مُجَرَّدَ معنى الراقِمِ بدونِ أنْ يُقَيَّدَ بكونِ رَقْمِه على الماءِ؛ لأنَّ وَجْهَ الشَّبَهِ بينَهما استواءُ وجودِ الفِعْلِ وعَدَمُه في عَدَمِ الفائدةِ، وهوَ موقوفٌ على اعتبارِ هذين الْقَيْدَيْنِ، فالقَيْدَانِ ههنا مِمَّا لهُ مَدْخَلٌ في وَجْهِ الشَّبَهِ؛ ولذا جُعِلَ هذا القولُ منْ بابِ تشبيهِ الْمُفْرَدِ الْمُقَيَّدِ بالْمُفْرَدِ الْمُقَيَّدِ.

وبهذا التفصيلِ اتَّضَحَ ما قالَ في الحاشيةِ منْ قولِه: وقدْ يكونُ المفرَدُ مُقَيَّدًا إلخ.

والقِسْمُ الثاني: تشبيهُ مرَكَّبٍ بِمُرَكَّبٍ، بأنْ يكونَ كلٌّ من المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بهِ هيئةً حاصلةً منْ عِدَّةِ أمورٍ قدْ تَضَامَّتْ وتَلَاصَقَتْ حتَّى صارتْ شيئًا واحدًا، بحيثُ إذا انْتُزِعَ الْوَجْهُ منْ بعضِها اخْتَلَّ التشبيهُ في قَصْدِ المتكلِّمِ، كقولِ بَشَّارٍ:

(كأنَّ مُثارَ النَّقْعِ) ، النَّقْعُ: الغُبارُ، ومُثَارُ اسمُ مفعولٍ منْ أَثَارَ الغُبارَ إذا هَيَّجَهُ وحَرَّكَهُ، فإضافتُه إلى النَّقْعِ منْ إضافةِ الصفةِ إلى الموصوفِ، والأصْلُ كأنَّ النَّقْعَ الْمُثارَ، أي الْمُهَيَّجَ منْ أسْفَلَ لِأَعْلَى بحوافِرِ الخيلِ، (فوقَ رُءُوسِنا) ، أي: الكائنَ أو الْمُنْعَقِدَ فوقَ رءُوسنا، وهوَ صفةٌ لِمُثَارِ النَّقْعِ، (وأسيافَنا) ، الواو بمعنى معَ، أيْ: كأنَّ مُثارَ النَّقْعِ الكائنَ أو الْمُنْعَقِدَ فوقَ رءُوسِنا معَ أسيافِنا، (ليلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُه) ، أيْ: تَتساقَطُ كَوَاكبُه شيئًا فشيئًا، بأنْ يَتْبَعَ بعضُها بعضًا في التساقُطِ منْ غيرِ انقطاعٍ على ما يُفْهَمُ منْ صيغةِ المضارِعِ الدالَّةِ على الاستمرارِ التَّجَدُّدِيِّ؛ فإنَّهُ شَبَّهَ هيئةَ الغُبارِ، وفيهِ السيوفُ مضْطَرِبَةٌ إلى جهاتٍ مُختلِفةٍ في أحوالٍ مُتَنَاسِبَةٍ من الاعوجاجِ والاستقامةِ والارتفاعِ والانخفاضِ، بهيئةِ الليلِ وفيهِ الكواكبُ تَتساقَطُ في جهاتٍ مختلِفةٍ، ولم يَقْصِدْ تشبيهَ مُثَارِ النقْعِ بالليلِ والسيوفَ بالكواكبِ، حتَّى يكونَ فيهِ تشبيهانِ كلٌّ منهما تَشبيهٌ مُفْرَدٌ بمفْرَدٍ؛ لأنَّهُ تَفوتُ معهُ الدِّقَّةُ التركيبيَّةُ الْمَرْعِيَّةُ في وجْهِ الشَّبَهِ.

والقِسمُ الثالثُ: تشبيهُ مفْرَدٍ، سواءٌ كانَ مُقَيَّدًا أوْ غيرَهُ، بمُرَكَّبٍ، أيْ بهيئةٍ منْتَزَعَةٍ منْ أمورٍ مُتَعَدِّدَةٍ اثنانِ فأكثرَ، كتشبيهِ الشقيقِ الذي هوَ مُفْرَدٌ بهيئةِ أعلامٍ ياقوتيَّةٍ منشورةٍ على رِماحٍ زَبَرْجَدِيَّةٍ كما مَرَّ في بيانِ معنى الْحِسِّيِّ.

والقِسمُ الرابعُ: تشبيهُ مُرَكَّبٍ بِمُفْرَدٍ، نحوَ قولِه:

يا صاحِبَيَّ تَقَصَّيَا نَظَرَيْكُمَا * أي: ابْلُغَا أَقْصَى نَظَرَيْكُمَا وغايتَهُ بالمبالَغةِ في تحْدِيقِ النظَرِ * تَرَيَا وُجوهَ الأرضِ * أيْ: إنْ تَقَصَّيْتُمَا نَظَرَيْكُمَا واجْتَهَدْتُمَا فيهِ ونَظَرْتُمَا ما قَابَلَكُمَا من الأرضِ * تَرَيَا وُجوهَ الأرضِ، أي: الأماكنَ الباديةَ منها، كالوجهِ، (كيفَ تُصَوَّرُ) ، بدلٌ منْ وجوهِ الأرْضِ، أيْ: تَرَيَا كيفَ تَبْدُو صورتُها، أوْ تَرَيَا كيفيَّةَ صورتِها بثُبوتِ الإشراقِ لها، كما دَلَّ عليهِ قولُه (تَرَيَا نَهارًا مُشْمِسًا) ، أيْ: ذا شمسٍ لم يَسْتُرْه غَيْمٌ، (قدْ شَابَهُ) ، أيْ: خالَطَ ذلكَ النهارَ، (زَهْرُ الرُّبَا) ، جَمْعُ رَبْوَةٍ بضَمِّ الأَوَّلِ وفَتْحِه، وهيَ المكانُ الْمُرْتَفِعُ، وأرادَ بالزَّهْرِ النباتَ مطْلَقًا، (فكأنَّما هوَ) ، أيْ ذلكَ النهارُ الموصوفُ، (مُقْمِرُ) ، أيْ: ليلٌ ذو قَمَرٍ؛ وذلكَ لأنَّ الأزهارَ باخضرارِها قدْ نَقَصَتْ منْ ضوءِ الشمسِ حتَّى صارَ كأنَّهُ ضوءٌ مخلوطٌ بالسوادِ، فصارَ بذلكَ النهارُ الْمُشْمِسُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت