الصفحة 66 من 111

وكأنَّ تُفيدُ التشبيهَ إذا كانَ خبَرُها جامِدًا، والشكَّ إذا كانَ خبَرُها مشْتَقًّا؛ وذلكَ لأنَّ الْخَبَرَ إذا كانَ جامِدًا كانَ مغايِرًا لاسْمِها في المفهومِ والْمِصْدَاقِ، فيَصِحُّ تشبيهُ الاسمِ بالخبَرِ بلا مانِعٍ منهُ فتُحْمَلُ عليهِ كما هوَ أصْلُها، بخلافِ ما إذا كانَ الخبَرُ مشْتَقًّا؛ لأنَّهُ حينئذٍ يكونُ مُتَّحِدًا بالاسمِ مِصْدَاقًا، فلوْ حُمِلَتْ على التشبيهِ كانَ كتشبيهِ الشيءِ بنفسِه، فيكونُ هذا مانِعًا منْ حَمْلِها على التشبيهِ، فتُحْمَلُ على شكِّ المتكلِّمِ بثبوتِ الخبَرِ الْمُغَايِرِ للاسمِ مفهومًا لِمَا بينَ التشبيهِ والشكِّ من التقارُبِ، نحوَ: (كأنَّكَ فاهِمٌ) ؛ فإنَّ معناهُ أنَّ المتكلِّمَ يَشُكُّ في كونِ المخاطَبِ فاهِمًا.

وقدْ يُذْكَرُ فعْلٌ يُنْبُئ عن التشبيهِ معَ كوْنِ هذا الفعْلِ غيرَ دالٍّ على التشبيهِ باعتبارِ أصْلِ وَضْعِه، نحوَ قولِه تعالى: {إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا} ، فذَكَرَ فعْلَ حَسِبْتَ ههنا لإفادةِ التشبيهِ بينَ الوِلدانِ الْمُخَلَّدِينَ واللؤلؤِ المنثورِ. ولا يَذْهَبُ عليكَ أنَّ كونَ الفعلِ المذكورِ مُنْبِئًا عن التشبيهِ غيرُ ظاهرٍ للقَطْعِ بأنَّهُ لا دَلالةَ للحُسبانِ على التشبيهِ أصْلًا، بل الأوْجَهُ فيهِ أنَّ المفعولَ الثاني في بابِ حَسِبْتَ يكونُ مَحمولًا بحَسَبِ المعنى على المفعولِ الْأَوَّلِ. ومن المعلومِ أنَّهُ لا يَصِحُّ حَمْلُ لؤلؤٍ منثورٍ عليهم بدونِ تقديرِ أداةِ التشبيهِ، فَعَدَمُ صِحَّةِ الحَمْلِ ههنا يُنْبِئُ عن التشبيهِ كما في قولِنا: (زيدٌ أَسَدٌ) ، سواءٌ ذُكِرَ الفعلُ أوْ لم يُذْكَرْ. نعمْ، بَعْدَ تَحَقُّقِ التشبيهِ بسببِ الْحَمْلِ يُفيدُ تَعَلُّقَ الْحُسبانِ بهِ أنَّهُ على وَجْهِ ظَنِّ الْمُخَاطَبِ وإدراكِه على سبيلِ الرُّجْحَانِ لا على وَجْهِ العِلْمِ واليقينِ، كما أنَّ قولَنا: (علِمْتُ زيدًا أسدًا) ، يُفيدُ أنَّ تشبيهَ زيدٍ بالأسدِ على وَجْهِ العلْمِ والتيَقُّنِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ الْمُضافَ في كلامِه محذوفٌ.

والمعنى أنَّ الفعْلَ يُنْبِئُ عنْ حالِ التشبيهِ منْ كونِه على وَجْهِ العِلْمِ والقطْعِ أوْ غيرِه.

وإذا حَذَفْتَ أداةَ التشبيهِ ووَجْهَه يُسَمَّى تَشبيهًا بليغًا؛ لوجودِ المبالَغَةِ في التشبيهِ حيثُ حُمِلَ المُشَبَّهُ بهِ على المُشَبَّهِ كأنَّهُ هوَ بعينِه، نحوَ: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} ، أيْ: كاللِّباسِ في السَّتْرِ عن العيونِ إذا أَرَدْتُمْ هَرَبًا منْ عَدُوٍّ أوْ إخفاءَ ما لا تُحِبُّونَ الاطِّلاعَ عليهِ منْ كثيرِ الأمورِ.

* المبحثُ الثاني في أَقْسامِ التشبيهِ *

يَنْقَسِمُ التشبيهُ باعتبارِ طَرَفَيْه المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بهِ إفرادًا وتركيبًا إلى أربعةِ أقسامٍ:

الأوَّلُ: تشبيهُ مُفْرَدٍ بِمُفْرَدٍ، سواءٌ كانا غيرَ مُقَيَّدَيْنِ بقَيْدٍ يكونُ لهُ دَخْلٌ في التشبيهِ، أوْ كانا مُقَيَّدَيْنِ بهِ.

فالأَوَّلُ نحوَ: (هذا الشيءُ كالْمِسْكِ في الرائحةِ) ، فتَشبيهُ الشيءِ المخصوصِ الْجُزْئِيِّ بالْمِسْكِ في الرائحةِ تشبيهُ مُفْرَدٍ غيرِ مُقَيَّدٍ بِمُفْرَدٍ غيرِ مُقَيَّدٍ.

ومن هذا البابِ قولُه تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} ، أيْ: هُنَّ كاللِّباسِ لكُمْ، وأنْتُمْ كاللِّباسِ لهنَّ، في أنَّ كُلًّا من المرأةِ والرَّجُلِ يَشْتَمِلُ على صاحبِه عندَ الاعتناقِ، كما أنَّ اللِّباسَ يَشْتَمِلُ على صاحبِه، فوجْهُ الشبَهِ هوَ وَصْفُ الاشتمالِ، ولا مَدْخَلَ فيهِ لقولِه تعالى: لكُم ولَهُنَّ؛ لأنَّ اللِّباسَ في حَدِّ ذاتِه موصوفٌ بكونِه يَشْتَمِلُ بهِ منْ غيرِ تَوَقُّفٍ على كونِه للرجالِ أوْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت