الصفحة 65 من 111

وإمَّا مُخْتَلِفانِ بأنْ يكونَ أحَدُ الطرَفَيْنِ حِسِّيًّا والآخَرُ عَقْلِيًّا، نحوَ: (خُلُقُه كالعِطْرِ) ، فشَبَّهَ الْخُلُقُ الذي هوَ عبارةٌ عنْ كيفيَّةٍ راسخةٍ في النفْسِ تَصْدُرُ عنها الأفعالُ بسهولةٍ بذاتِ العِطْرِ، أيْ: ما يُتَعَطَّرُ بهِ منْ كلِّ طَيِّبِ الرائحةِ كالْمِسْكِ والعُودِ الهنديِّ. ولا شكَّ أنَّ الأوَّلَ أمْرٌ لا يُدْرِكُه إلَّا العَقْلُ؛ فهوَ عَقْلِيٌّ، والثاني أمْرٌ يُشَاهِدُه البصَرُ؛ فهوَ محسوسٌ بحاسَّةِ البَصَرِ، وإنْ قُصِدَ بالعِطْرِ نفسُ الرائحةِ كانَ محسوسًا بحاسَّةِ الشَّمِّ.

ووَجْهُ الشبَهِ هوَ الوَصْفُ الخاصُّ الذي قُصِدَ اشتراكُ الطرَفَيْنِ فيه، وإنَّما جَعَلَ وجْهَ الشبَهِ الوْصَفَ الخاصَّ بالمُشَبَّهَيْنِ؛ لأنَّهُ إذا كانَ من الذاتِيَّاتِ أو الأعراضِ العامَّةِ لمْ يكُنْ للتشبيهِ وادِّعاءِ المماثَلَةِ فائدةٌ، كالهدايةِ في العلْمِ والنورِ، فإنَّ وجْهَ الشبَهِ في تشبيهِ العِلْمِ بالنورِ حيثُ يُقالُ: العلْمُ كالنورِ، الهدايةُ إلى المقصودِ، وهيَ الوَصْفُ الخاصُّ الذي اشتُرِكَ فيهِ؛ فإنَّ العِلْمَ يَدُلُّ على طريقِ الْحَقِّ، ويُفَرِّقُ بينَه وبينَ طريقِ الباطِلِ، والنورَ يَدُلُّ على طريقِ السلامةِ، ويَفْصِلُ بينَه وبينَ طريقِ الْهَلاكِ، فقدْ هَدَى كلٌّ منهما إلى المطلوبِ الذي هوَ طريقُ الحقِّ في الأَوَّلِ وطريقِ السلامةِ في الثاني، فالْهِدايةُ هيَ وجْهُ الشَّبَهِ.

ثمَّ وجهُ الشَّبَهِ قِسمانِ:

الأوَّلُ: الْمُحَقَّقُ، وهوَ الذي يَتَقَرَّرُ في كلٍّ من المُشَبَّه والمُشَبَّهِ بهِ على وجْهِ التحقُّقِ، كما في تشبيهِ العلْمِ بالنورِ، فإنَّ وجْهَ الشبهِ وهوَ الهدايةُ مُتَقَرَّرٌ في كلٍّ منهما حقيقةً.

والثاني: الْمُتَخَيَّلُ، وهوَ الذي لا يكونُ مُتَقَرَّرًا فيهما أوْ في أحدِهما حقيقةً، ولكنْ يُخَيِّلُه الوَهْمُ ويُقَرِّرُه بتأويلِ غيرِ الْمُحَقَّقِ مُحَقَّقًا، وتخييلِ ما ليسَ بواقعٍ واقعًا، كتشبيهِ الشَّعْرِ بالحَظِّ؛ فإنَّ وجْهَ الشبَهِ وهوَ السوادُ ليسَ بِمُتَقَرَّرٍ في الحظِّ حقيقةً، بلْ بتَخْيِيلِ الوَهْمِ وفَرْضِه، وهذا ما قالَ في الحاشيةِ: ويكونُ وجْهُ الشبَهِ مُحَقَّقًا إلخ.

وأداةُ التشبيهِ، أيْ: وآلَتُه التي يُتَوَصَّلُ بها إلى التشبيهِ، هيَ اللفظُ الذي يَدُلُّ على معنى المشابَهَةِ، كالكافِ وكأنَّ وما في معناهما اسْمًا كانَ أوْ فِعْلًا، كتُشابِهُ ويُشابِهُ ومُشابِهٌ ومُمَاثِلٌ.

والكافُ يَلِيهَا المُشَبَّهُ بهِ لَفْظًا، نحوَ: العِلْمُ كالنورِ، أوْ تقديرًا نحوَ: قولِه تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} ؛ إذ المرادُ أوْ: كمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ من السماءِ. بخلافِ كأنَّ فيَلِيها المُشَبَّهُ نحوَ:

كأنَّ الثُّرَيَّا راحةٌ تَشْبُرُ الدُّجَى لتَنْظُرَ طالَ الليلُ أَمْ قَدْ تَعَرَّضَا

فدَخَلَ فيهِ كأنَّ على الثُّرَيَّا وهوَ مُشَبَّهٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت