الصفحة 64 من 111

* المبحثُ الأوَّلُ في أركانِ التشبيهِ *

أركانُ التشبيهِ أربعةٌ: المُشَبَّهُ، والمُشَبَّهُ به، ويُسَمَّيَانِ طَرَفَي التشبيهِ، ووجْهُ الشَّبَهِ، والأداةُ.

ولمَّا كانَ الطرَفانِ منْ هذهِ الأركانِ هما الأصْلَ والعُمدةَ في التشبيهِ قَدَّمَ البَحْثَ عنهما فقالَ: والطرَفانِ إمَّا حِسِّيَّانِ؛ المرادُ بالحِسِيِّ ما يُدْرَكُ هوَ بنفسِه، أوْ مادَّتُه التي يَحْصُلُ منها حقيقةٌ، بإحدى الحواسِّ الخمْسِ الظاهِرَةِ. فمِن الأوَّلِ نحوَ: (الوَرَقُ كالحريرِ في النعومةِ) ، فإنَّ كُلًّا من المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بهِ ههنا يُدْرَكُ بنفسِه بحاسَّةِ اللَّمْسِ. ومن الثاني قولُه:

وكأنَّ مُحْمَرَّ الشقيقِ * إذا تَصَوَّبَ أوْ تَصَعَّدَ

أعلامُ ياقوتٍ نُشِرْ ... * نَ على رِمَاحٍ مِنْ زَبَرْجَدَ

الشقيقُ نَوْرٌ يَنْفَتِحُ كالوردِ وأوراقُه حُمْرٌ، فإضافةُ الْمُحْمَرِّ إليه منْ بابِ إضافةِ الصفةِ إلى الموصوفِ، وقولُه (إذا تَصَوَّبَ أوْ تَصَعَّدَ) ، مُتَعَلِّقٌ بمعنى كأنَّ، أيْ: يُشَبِّهُ الشقيقَ الْمُحْمَرَّ حينَ تَصَوَّبَ، أيْ مالَ إلى أَسْفْلَ، أوْ تَصَعَّدَ، أيْ مالَ إلى عُلُوٍّ، بتحريكِ الريحِ لهُ، بأعلامِ ياقوتٍ نُشِرْنَ على رِماحٍ مِنْ زَبَرْجَدَ، والأعلامُ جَمْعُ عَلَمٍ بمعنى الرايةِ، والمرادُ بالياقوتِ الْحَجَرُ النَّفِيسُ المعلومُ بشَرْطِ أنْ يكونَ أَحْمَرَ، وهوَ أَغَرُّ الياقوتِ، كما أنَّ الْمُرادَ بالزبَرْجَدِ الْحَجَرُ النفيسُ الأخْضَرُ. فالمُشَبَّهُ ههنا وهوَ الشقيقُ الْمُحْمَرُّ، وإنْ كانَ أمْرًا حِسِّيًّا مُدْرَكًا بحاسَّةِ البَصَرِ، لكنَّ المُشَبَّهَ بهِ وهوَ هَيْئَةُ نَشْرِ الأعلامِ الياقوتيَّةِ على الرماحِ الزَّبَرْجَدِيَّةِ معدومةٌ لَمْ تُشَاهَدْ قطُّ، إلَّا أنَّ هذه الأشياءَ التي هيَ مادَّةُ تلكَ الهيئةِ، وهيَ الأعلامُ والياقوتُ والرِّماح والزَّبَرْجَدُ، لَمَّا كانتْ مُدْرَكَةً بحاسَّةِ البصَرِ دَخَلَ هذا القِسْمُ في الْحِسِّيِّ أيضًا، ومثلُه يُسَمَّى بالخياليِّ.

وبهذا البيانِ يَتَّضِحُ ما قالَ في الحاشيةِ: الْمُرادُ بالْحِسِّيِّ ما يُدْرَكُ هوَ إلخ.

وإمَّا عَقْلِيَّانِ، والمرادُ بالعَقْليِّ مُقابِلُ الْحِسِّيِّ، أيْ ما لا يُدْرَكُ هوَ ولا مادَّتُه مُدْرَكًا بإحْدَى الحواسِّ الخمْسِ الظاهِرَةِ، نحوَ: الجَهْلُ كالموتِ؛ فإنَّ كُلًّا من الْجَهْلِ والموتِ ليسَ حِسِّيًّا مُدْرَكًا بإحْدَى الحواسِّ، بلْ يُدْرَكَانِ بالعَقْلِ.

ويَدْخُلُ في العَقْلِيِّ أيضًا ما لا يُحَسُّ به ولا بِمَادَّتِه، ولكنَّهُ بحيثُ لوْ وُجِدَ في الخارِجِ وأُدْرِكَ لكانَ مُدْرَكًا بتلكَ الحواسِّ، كما في قولِ امرئِ الْقَيْسِ:

أَيَقْتُلُنِي وَالْمَشْرِفِيُّ مُضَاجِعِي ... * ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كأنيابِ أَغْوَالِ

أيْ: كيفَ يَقْتُلُنِي ذلكَ الرجُلُ الذي تَوَعَّدَنِي في حُبِّ سَلْمَى، والحالُ أنَّ السيفَ الْمَشْرِفِيَّ، أي المنسوبَ إلى الْمَشارِفِ التي هيَ بلادٌ باليَمَنِ، والسهامَ المسنونةَ، أي المحدودةَ الزُّرْقَ، أي الْمَجْلُوَّةَ الصافيةَ، كأنيابِ أَغْوَالٍ في الْحِدَّةِ مُضَاجِعِي ومُلَازِمِي. فالمُشَبَّهُ بهِ ههنا وهوَ أنيابُ الأغوالِ؛ لكونِه صورةً وهْمِيَّةً اختَرَعَها الوَهْمُ منْ عندِ نفسِه منْ غيرِ أنْ يكونَ لهُ أوْ لَمَادَّتِه وجودٌ في الخارِجِ، مِمَّا لا يُحَسُّ بهِ ولا بِمَادَّتِه أصْلًا، ولكنْ لوْ وُجِدَ في الخارجِ وأُدْرِكَ لم يُدْرَكْ إلَّا بالْحِسِّ.

ومثْلُ هذا التشبيهِ يُسَمَّى بالْوَهْمِيِّ، وهذا تفصيلُ ما في الحاشيةِ منْ قولِه: والمرادُ بالعَقْلِيِّ إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت