الصفحة 63 من 111

فمثالُ إيرادِ المعنى الواحدِ بطُرُقٍ من التشبيهِ أنْ يُقالَ في وصْفِ زيدٍ مَثلًا بالكرَمِ: (زَيْدٌ كالبحرِ في السَّخَاءِ) ، (وزيدٌ كالبحرِ) ، (وزيدٌ بَحْرٌ) . فهذهِ تراكيبُ مختلِفةُ الوضوحِ من التشبيهِ؛ لأنَّ الأوَّلَ منها أوْضَحُ من الثاني والثالثِ؛ لوجودِ التصريحِ فيهِ بوَجْهِ الشبَهِ وأداةِ التشبيهِ. والثانيَ أوضَحُ من الثالثِ؛ لتصريحِ الأداةِ فيهِ بخلافِ الثالثِ؛ فإنَّهُ حَذَفَ فيهِ الوجْهَ والأداةَ معًا، فهوَ دونَ الكُلِّ في الوضوحِ.

ومثالُ إيرادِه بطُرُقِ الاستعارةِ أنْ يُقالَ في وصْفِه بالكَرَمِ أيضًا: رأيتُ بَحْرًا في الدارِ، وطَمَّ زيدٌ بالإنعامِ جميعَ الأنامِ، ولُجَّةُ زيدٍ تَتَلَاطَمُ أمواجُها. فهذه طرُقٌ مختلِفةُ الوضوحِ من الاستعارةِ، فأَوْضَحُها الأوَّلُ، وأَخْفَاها الأوْسَطُ، والأخيرُ بَيْنَ بَيْنَ.

ومثالُ إيرادِه بالطُّرُقِ المختلِفةِ الوضوحِ في بابِ الكنايةِ في وصْفِه بالكَرَمِ أيضًا: زيدٌ مَهزولُ الفَصيلِ، وزيدٌ جَبَانُ الكلْبِ، وزيدٌ كثيرُ الرمادِ. فهذه التراكيبُ تُفيدُ وصْفَ زيدٍ بالجُودِ على طريقِ الكِنايةِ، وهيَ مُختلِفَةٌ وضوحًا، والأخيرُ منها أَوْضَحُها.

فالقواعِدُ التي يُعْرَفُ بها إيرادُ كلِّ معنًى بِمَا يُنَاسِبُه من التراكيبِ المختلِفةِ في وضوحِ الدِّلالةِ على ذلكَ المعنى هيَ البيانُ. ثمَّ لَمَّا كانَ هذا التعريفُ مُشْتَمِلًا على كونِ التراكيبِ مختلِفَةً في الوضوحِ، وليسَ كلُّ دَلالةٍ تَختلِفُ في الوضوحِ، بلْ منها ما يَقْبَلُ ذلكَ الاختلافَ، ومنها ما لا يَقبَلُ، لم يُفْهَمْ هذا التعريفُ ما لمْ يُبَيَّنْ أقسامُ الدِّلالةِ، ولم يُعَيَّنْ ما يَجرِي فيهِ ذلكَ الاختلافُ، وذلكَ البيانُ معَ أنَّهُ يُفْضِي إلى زيادةِ التطويلِ يَتَعَسَّرُ فَهْمُه على التلامِذَةِ الْمُبْتَدِئِينَ؛ فلذا لم يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ هذا التعريفَ في الكتابِ، واختارَ ما هوَ الأقرَبُ إلى إفهامِهم، وهوَ أنْ يُقالَ في تعريفِ البيانِ: إنَّهُ علْمٌ يَبْحَثُ فيهِ عن التشبيهِ والْمَجازِ والكنايةِ، ثمَّ يَشْتَغِلُ بتفصيلِ هذه الْمَباحِثِ، وهذا كلُّه توضيحٌ لِمَا في الحاشيةِ.

التشبيهُ

إلحاقُ أمْرٍ بأمْرٍ في وَصْفٍ بأداةٍ لغَرَضٍ في هذا الإلحاقِ؛ لأنَّهُ من الأمورِ الاختياريَّةِ فلا يُصارُ إليه إلَّا لغَرَضٍ. والأمرُ الأوَّلُ يُسَمَّى الْمُشَبَّهَ، والثاني المُشَبَّهَ بهِ، والوَصْفُ وجْهُ الشَّبَهِ، والأداةُ الكافُ أوْ نحوِها، كلفظِ مِثلَ وكأنَّ، نحوَ: العِلْمُ كالنورِ في الهدايةِ، فجَعَلَ العلْمَ فيهِ مُلْحَقًا بالنورِ في وَصْفِ الهدايةِ بكافِ التشبيهِ، فالعِلْمُ مُشَبَّهٌ، والنورُ مُشَبَّهٌ به، والهدايةُ وجْهُ الشَّبَهِ، والكافُ أداةُ التشبيهِ.

ويَتَعَلَّقُ بالتشبيهِ ثلاثةُ مَباحِثَ: الأوَّلُ في أركانِه المأخوذةِ في تعريفِه، والثاني في أقسامِه الحاصلةِ باعتبارِ أحَدِ هذهِ الأركانِ، والثالثُ في الغَرَضِ منهُ الباعثِ على إيجادِه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت