وتغليبِ المخاطَبِ على غيرِه، نحوَ: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} ، فالمخاطَبُ حقيقةً في قولِه تعالى: {أَوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا} ، هوَ مَنْ آمَنَ بشُعَيْبٍ دونَه عليهِ السلامُ، لكِنْ أُدْخِلَ شعيبٌ بِحُكْمِ التغليبِ في {لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} ، ونُسِبَ هذا الوَصْفُ إلى الجميعِ معَ أنَّهُ عليهِ السلامُ لمْ يكُنْ فيها، أيْ في مِلَّتِهِمْ، قطُّ حتَّى يعودَ إليها؛ لأنَّ مِلَّتَهُم الكفْرُ، والأنبياءُ مَعْصُومُونَ عن الكفْرِ قبلَ الْبَعْثَةِ وبعْدَها بالاتِّفاقِ.
وكتغليبِ العاقِلِ على غيرِه، كقولِه تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ؛ إذ العالَمُ اسمٌ لِمَا يُعْلَمُ بهِ الصانِعُ من العُقلاءِ وغيرِ العُقلاءِ، فغُلِّبَ العُقَلاءُ على غيرِهم، وأُوْرِدَ بصيغةِ الجمْعِ بالياءِ والنونِ الْمُخْتَصَّةِ بالعقلاءِ وأوصافِهم، هذا واللَّهُ سبحانَه وتعالى أعلَمُ.
البيانُ
علْمٌ يُبْحَثُ فيهِ عن التشبيهِ والْمَجازِ والكِنايةِ.
قالَ في الحاشيةِ: وقدْ عَرَّفُوا البيانَ أيضًا إلخ. تفصيلُ الْمَقامِ أنَّ المشهورَ في تعريفِ البيانِ أنَّهُ عِلْمٌ يُعْرَفُ بهِ إيرادُ المعنى الواحدِ بطُرُقٍ مُختلِفَةٍ في وُضوحِ الدَّلالةِ عليهِ. ولَمَّا كانَ الظاهِرُ أنَّ الْمُرادَ بالعلْمِ المأخوذِ في التعريفِ القواعدُ والأصولُ؛ لأنَّها التي قُصِدَ في هذا البابِ بيانُها، أَوْرَدَ المصنِّفُ في هذا التعريفِ بَدَلَ العلْمِ القواعدَ، فحاصِلُ التعريفِ أنَّ البيانَ قواعدُ يُعرَفُ بها إيرادُ المعنى الواحدِ بطُرُقٍ وتراكيبَ مختلِفةٍ في وُضوحِ الدِّلالةِ على ذلكَ المعنى الواحدِ، بأنْ يكونَ بعضُ الطُّرُقِ واضحَ الدِّلالةِ عليهِ، وبعضُها أوْضَحَ، سواءٌ كانتْ تلكَ الطرُقُ منْ قَبيلِ التشبيهِ أو الْمَجازِ أو الكنايةِ.