قَطْفُه، وبدَمِه الخمْرُ الْمُتَّخَذُ منه، فقالَ لهُ الْحَجَّاجُ هذا القولَ مُتَوَعِّدًا إيَّاهُ، فقالَ الْقَبَعْثَرَى: (مِثْلُ الأميرِ يَحْمِلُ على الأدْهَمِ والْأَشهَبِ) ، فقالَ لهُ الْحَجَّاجُ: (وَيْلَكَ! أَرَدْتُ الحديدَ) ، فقالَ القَبَعْثَرَى: (لَأَنْ يكونَ حديدًا خيرٌ منْ أنْ يكونَ بَلِيدًا) .
فتَلَقَّى الْقَبَعْثَرَى الْحَجَّاجَ بهذا القولِ بغيرِ ما يَتَرَقَّبُه، وحَمَلَ كلامَه على خلافِ مُرادِه؛ إذْ أرادَ الحجَّاجُ بالأدْهَمِ القيدَ، وبالحديدِ الْمَعْدِنَ المخصوصَ المعروفَ، وحَمَلَهُما الْقَبَعْثَرَى، أي الأدْهَمَ على الفرَسِ الأدهَمِ الذي غَلَبَ سوادُه، وأكَّدَ ذلكَ الحمْلَ بضَمِّ الأشهَبِ إليْهِ، وهوَ الفرَسُ الذي غَلَب بياضُه، والحديدَ على الفرَسِ ذي الْحِدَّةِ، فكانَ المجموعُ محمولًا على الفَرَسِ الأدْهَمِ الذي ليسَ بليدًا؛ تَنْبِيهًا على أنَّ حَمْلَ الكلامِ على هذا المعنى هوَ الأَوْلَى بأنْ يَقْصِدَه الأميرُ مثلُ الحجَّاجِ.
والثاني، أيْ تَلَقِّي السائلِ بغيرِ ما يَطْلُبُه، يكونُ بتنزيلِ السؤالِ منزلةَ سؤالٍ آخَرَ مناسِبٍ لحالةِ السائلِ؛ تَنبيهًا على أنَّ ذلكَ السؤالَ الآخَرَ المناسِبَ لحالِه هوَ الْأَوْلَى والأَهَمُّ بالسؤالِ عنهُ، كما في قولِه تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} ، سألَ بعضُ الصحابةِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما بالُ الهلالِ يَبْدُو دَقِيقًا، ثمَّ يَتَزَايَدُ حتَّى يَصِيرَ بَدْرًا، ثمَّ يَتَنَاقَصُ حتَّى يَعودَ كما بدأَ؟ فهذا بظاهِرِه سؤالٌ عنْ سببِ اختلافِ القَمَرِ في زيادةِ النورِ ونُقصانِه، فجاءَ الجوابُ بقولِه تعالى: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} ، عن الحكْمَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ على ذلكَ الاختلافِ، وهيَ أنَّ الأهِلَّةَ بحسَبِ ذلكَ الاختلافِ معالِمُ للنَّاسِ يُوَقِّتُونَ بها أمورَهم، ويَعْرِفوُن َبها وَقْتَ الْحَجَّ، ولم يُجَابُوا ببيانِ السببِ لذلكَ الاختلافِ؛ لأنَّها، أيْ تلكَ الحكْمَةَ التي جاءَ الجوابُ عنها، أهمُّ للسائلِ؛ إذْ لا يَتَعَلَّقُ لهم بالسبَبِ غَرَضٌ لا يَطَّلِعُ عليهِ كلُّ أحَدٍ بسَهولةٍ، فنَزَّلَ سؤالَهم عنْ سببِ الاختلافِ مَنْزِلَةَ السؤالِ عنْ حكْمَتِه؛ لكونِه الْأَوْلَى بالسؤالِ والأليَقَ بالحالِ؛ فلذلكَ أُجيبَ ببيانِ الحكْمَةِ لا ببيانِ السببِ.
(ومنها) التغليبُ، وهوَ تَرجيحُ أحدِ الشيئينِ المتصاحِبَيْنِ أو الْمُتَشَابِهَيْنِ على الآخَرِ في إطلاقِ لفْظِه عليه، أيْ في إطلاقِ لفظِ الْمُغَلَّبِ على الآخَرِ الْمُغَلَّبِ عليهِ؛ بأنْ يَجْعَلَ الآخَرَ متَّفِقًا معه في الاسمِ، ثمَّ يُطْلِقَ اللفظَ عليهما جميعًا.
كتغليبِ المذَكَّرِ على المؤنَّثِ في قولِه تعالى في وَصْفِ مَرْيَمَ: {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} ، فإنَّهُ غَلَّبَ ههنا المذكَّرَ على المؤنَّثِ، وأَطْلَقَ اللفْظَ الموضوعَ للذكورِ فقطْ، وهوَ الجمْعُ بالياءِ والنونِ، على الذكورِ والإناثِ جميعًا.
ومنهُ، أيْ: ومنْ تَغليبِ المذكَّرِ على المؤنَّثِ، الأبوانِ للأبِ والأمِّ، إلَّا أنَّ مخالَفَةَ الظاهِرِ فيما سَبَقَ منْ جهةِ الهيئةِ والصيغةِ، وههنا منْ جهةِ المادَّةِ وجوهَرِ اللفظِ.
وكتغليبِ المذَكَّرِ والأخَفِّ على غيرِهما، وجَعْلِ المغلَّبِ تثنيةً بهذا الاعتبارِ، فالأصْلُ في هذا التغليبِ أنْ يُغَلَّبَ الأخفُّ على غيرِه، إلَّا أنْ يكونَ الغيرُ مُذَكَّرًا، فيُغَلَّبَ على المؤنَّثِ وإنْ كانَ المؤنَّثُ أخفَّ، ففي نحوَ: (الْقَمَرَيْنِ) ، أي: الشمسِ والقمرِ، غُلِّبَ القمرُ لكونِه مذَكَّرًا، وإنْ كانَ لفظُ الشمسِ لسكونِ وسَطِه أخَفَّ. وفي نحوَ الْعُمَرَيْنِ، أيْ أبي بكرٍ وعمرَ، غُلِّبَ عمرُ على أبي بكرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالَى عَنْهُما لِخِفَّةِ لفْظِ عُمَرَ.