الصفحة 60 من 111

فالنَّقْلُ من التكلُّمِ إلى الْخِطابِ نحوَ: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ، فمُقْتَضَى الظاهِرِ إجراءُ الكلامِ على طريقِ التكلُّمِ، أيْ: أَرْجِعُ؛ ليكونَ الكلامُ جَارِيًا على نَسَقٍ واحدٍ، لكنْ عَدَلَ عنهُ إلى الْخِطابِ وقالَ: {وَإِلَيْهِ تَرْجِعُونَ} ، فكانَ نَقْلًا من التكلُّمِ إلى الْخِطابِ على خِلافِ مُقْتَضَى الظاهِرِ.

والنَّقْلُ من التَّكَلُّمِ إلى الْغَيْبَةِ نحوَ: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ} ، ومُقْتَضَى الظاهِرِ ههنا أيضًا إجراءُ الكلامِ على التَّكَلُّمِ، أيْ: فَصَلِّ لنا؛ لكَونِ قولِه تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ} ، تَكَلُّمًا. فالنقْلُ إلى قولِه تعالى: {لِرَبِّكَ} ، التفاتٌ من التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ؛ لأنَّ الاسمَ الظاهِرَ منْ قَبيلِ الغَيْبَةِ.

والنقْلُ من الْخِطابِ إلى التَّكَلُّمِ كقولِ الشاعِرِ:

أَتَطْلُبُ وَصْلَ رَبَّاتِ الْجَمَالِ * وقدْ سَقَطَ الْمَشِيبُ عَلَى قَذَالِي

أيْ خَلْفَ رأسي، ففيهِ التفاتٌ من الْخِطابِ في أَتَطْلُبُ إلى التكَلُّمِ، وكانَ مُقْتَضَى الظاهِرِ أنْ يقولَ: (عَلى قَذَالِكَ) .

ومنها تَجَاهُلُ العارِفِ، وهوَ سَوْقُ المعلومِ مَسَاقَ غيرِه، بأنْ يُعَبَّرَ عنهُ بما يَدُلُّ باعتبارِ أصْلِه على أنَّهُ غيرُ معلومٍ لغَرَضٍ وفائدةٍ. فإنَّهُ لوْ كانَ هذا منْ غيرِ نُكْتَةٍ وفائدةٍ لم يكُنْ منْ هذا البابِ.

كالتوبيخِ والتعييرِ على أمْرٍ قدْ وَقَعَ، نحوَ قولِ ليلى بنتِ طريفٍ في مَرْثِيَّةِ أخيها الوليدِ بنِ طريفٍ، وقدْ كانَ قَتَلَهُ يزيدُ بنُ معاويةَ: (أَيَا شَجَرَ الخابورِ) ، وهوَ نَهْرٌ في دِيارِ بَكْرٍ، (مَا لَكَ مُورِقًا) ، أيْ: أيُّ شيءٍ ثَبَتَ لكَ في حالِ كونِكَ مُورِقًا، أيْ مُخْرِجًا لأوراقِكَ، فالاستفهامُ ههنا للتَّعَجُّبِ والإنكارِ، ومُورِقًا حالٌ من الكافِ في لكَ، (كأنَّكَ لم تَجْزَعْ على ابنِ طريفٍ) ، فهيَ تَعْلَمُ أنَّ الشجَرَ لم يَجْزَعْ على ابنِ طريفٍ، لكنَّها تجاهَلَتْ فاستَعْمَلَتْ لفظَ كأنَّ الدالَّ على الشكِّ لتوبيخِ الشجَرِ على إيراقِه. وفيهِ من المبالَغَةِ في وجوبِ الْجَزَعِ ما لا يَخْفَى.

ومنها أسلوبُ الحكيمِ: وهوَ تَلَقِّي الْمُتَكَلِّمِ ومواجهتُه المخاطَبَ بغيرِ ما يَتَرَقَّبُه ذلكَ المخاطَبُ من المتكلِّمِ، أوْ تَلَقِّي المتكلِّمِ السائلَ بغيرِ ما يَطْلُبُه ويَسْأَلُه؛ تَنبيهًا على أنَّهُ الأَوْلَى بالقصْدِ، أيْ: تنبيهًا على أنَّ ذلكَ الغيرَ الذي لا يَتَرَقَّبُه المخاطَبُ في الأَوَّلِ، ولا يَطْلُبُه السائلُ في الثاني، هوَ الْأَوْلَى بأنْ يُقْصَدَ ويُرادَ دونَ ما يَتَرَقَّبُ ويَطْلُبُ.

فالأوَّلُ: أيْ تَلَقِّي المخاطَبِ بغيرِ ما يَتَرَقَّبُه، يكونُ بحمْلِ الكلامِ، أيْ: بسببِ حَمْلِ المتكلِّمِ كلامَ المخاطَبِ، على خِلافِ مُرادِ قائلِه الذي هوَ ذلكَ المخاطَبُ، كقولِ القَبَعْثَرَى للحجَّاجِ وقدْ تَوَعَّدَهُ بقولِه: (لَأَحْمِلَنَّكَ عَلَى الْأَدْهَمِ) ، ووجْهُ تَوَعُّدِ الحجَّاجِ القَبَعْثَرَى بهذا القولِ على ما قِيلَ، أنَّ القَبَعْثَرَى كانَ جالسًا في بُستانٍ معَ جماعةٍ منْ إخوانِه في زَمَنِ الْحُصْرِمِ، أي العِنَبِ الأخْضَرِ، فذَكَرَ بعضُهم الْحَجَّاجَ، فقالَ القَبَعْثَرَى: (اللَّهُمَّ سَوِّدْ وجْهَهُ، واقْطَعْ عُنُقَهُ، واسْقِنِي منْ دَمِه) ، فبَلَغَ ذلكَ الْحَجَّاجَ، فقالَ لهُ: (أَنْتَ قُلْتَ ذلكَ؟) فقال: نَعَمْ، ولكنْ أَرَدْتُ العِنَبَ الْحُصْرُمَ، بأنَّ الْمُرادَ بتسويدِ وجْهِه استواؤُه، وبقطْعِ عُنقِه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت