الصفحة 59 من 111

والتسويةِ بينَ الفِعْلِ وضِدِّه، نحوَ: {أَنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ} ، فإيرادُ الأمْرِ ههنا في الموضِعِ الخبَرِ، أيْ: لنْ يُتَقَبَّلَ منكم أَنْفَقْتُمْ طَوْعًا أوْ كَرْهًا؛ للدَّلالةِ على التسويةِ بينَ الإنفاقِ طَوْعًا وبينَهُ كَرْهًا، والتنبيهِ على عَدَمِ تفاوتِ حالِ إنفاقِهم في نَفْيِ التقبُّلِ، فإنَّ الأمْرَ في مِثْلِ هذا الكلامِ يُسْتَعْمَلُ للتسويةِ.

(ومنها) ، الإضمارُ في مَقامِ الإظهارِ، والمرادُ بمقامِ الإظهارِ مقامٌ لا يُوجَدُ فيهِ ما يَقْتَضِي الإضمارَ منْ تَقَدُّمِ الْمَرْجِعِ، فإيرادُ الْمُضْمَرِ في هذا الْمَقامِ لا يكونُ إلَّا لِغَرَضٍ وعُروضِ اعتبارٍ ألْطَفَ منْ إيرادِ الْمُظْهَرِ فيهِ، كادِّعاءِ أنَّ مَرْجِعَ الضميرِ دائمُ الحضورِ في الذهْنِ بحيثُ لا يُلْتَفَتُ إلى غيرِه، كقولِ الشاعرِ:

أَبَت الوِصالَ مَخافَةَ الرُّقَبَاءِ * وأَتَتْكَ تَحْتَ مَدَارِعِ الظَّلْمَاءِ

الفاعلُ ضميرٌ في أَبَتْ وأَتَتْ لم يَتَقَدَّمْ لهُ مَرْجِعٌ، فمُقْتَضَى الظاهِرِ الإظهارُ لكونِ الْمَقامِ مقامَه لعَدَمِ تَقَدُّمِ الْمَرْجِعِ، لكنْ عَدَلَ عنه إلى الإضمارِ ليُفيدَ ادِّعاءَ كونِ الْمَرجِعِ دائمَ الحضورِ، وكونِ الذهْنِ غيرَ مُلْتَفِتٍ إلى غيِره.

وتمكينُ ما بعدَ الضميرِ في نفسِ السامعِ؛ لتَشَوُّقِه إليه أوَّلًا، فإنَّ السامعَ إذا لم يَفْهَمْ من الضميرِ معنًى لعَدَمِ سَبْقِ ما يَرْجِعُ هوَ إليه انتَظَرَ ما يَرِدُ عليهِ بعدَه وتَشَوَّقَ إليه، فإذا جاءَ بعدَ الانتظارِ والتَشَوُّقِ كانَ أمْكَنَ في النفسِ وأوْقَعَ فيها؛ لأنَّ النفسَ تكونُ أقْبَلَ لِمَا حَصَلَ بعد التَّشَوُّقِ والانتظارِ مِمَّا حَصَلَ بلا شَوْقٍ وتَعَبٍ، نحوَ: هيَ النَّفْسُ ما حَمَّلْتَهَا تَتَحَمَّلِ، {هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، (نِعْمَ تِلْمِيذٌ الْمُؤَدَّبُ) .

فمُقْتَضَى الظاهِرِ في هذه الأمثلةِ هوَ الإظهارُ دونَ الإضمارِ؛ لعَدَمِ تَقَدُّمِ الْمَرْجِعِ، لكنْ عَدَلَ عنه وأَوْرَدَ ضميرَ هيَ مكانَ القِصَّةِ في الأَوَّلِ، وضميرَ هوَ مكانَ الشأْنِ في الثاني، والضميرَ الْمُسْتَتِرَ في نِعْمَ مكانَ الاسمِ الظاهرِ في الثالثِ، أيْ: نِعْمَ التلميذُ؛ لِيَتَهَيَّأَ السامعُ بالضميرِ لِمَا يَرِدُ بعدَه ويَتَشَوَّقَ إليه، فيَتَمَكَّنَ في نفسِه إذا وَرَدَ عليهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ؛ لكونِه واردًا بعدَ الانتظارِ وَالتَّشَوُّقِ.

وعَكْسُه، أيْ: الإظهارُ في مَقامِ الإضمارِ لغَرَضٍ، كتقويةِ داعي الامتثالِ لِمَنْ أَمَرْتَه بشيءٍ، كقولِك لعَبْدِكَ: (سَيِّدُكَ يَأْمُرُكَ بكذا) ؛ فإنَّ مُقْتَضَى الظاهِرِ ههنا الإضمارُ، أيْ: أنا آمُرُكَ بكذا، لكونِ الْمَقامِ مَقامَ التكَلُّمِ، لكِنْ جيءَ مكانَه بلفْظِ السَّيِّدِ، وأَسْنَدَ الأمْرَ إليه؛ لأَجْلِ الدَّلالةِ على قُوَّةِ داعي المأمورِ على امتثالِ الأمْرِ.

(ومنها) الالتفاتُ: وهوَ نَقْلُ الكلامِ منْ حالةِ التَّكلُّمِ أو الخطابِ أو الغَيْبَةِ إلى حالةٍ أُخرى منْ ذلكَ، بأنْ يُسَاقَ الكلامُ أوَّلًا على واحدةٍ منْ هذهِ الثلاثةِ ثمَّ يُعْدَلَ منها إلى الأُخْرَى، معَ أنَّ ظاهِرَ الحالِ يَقْتَضِي عدمَ ذلكَ العدولِ، وإلَّا لمْ يَصِحَّ عَدُّهُ منْ أنواعِ إخراجِ الكلامِ على خِلافِ مُقتَضَى ظاهِرِ الحالِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت