الأصْلُ في كلمةِ (إنْ) و (إذا) أنْ يكونَ كلٌّ من الشرْطِ والجزاءِ جملةً استقباليَّةً في اللفظِ، للتفاؤُلِ من المخاطَبِ، ودخولِ السرورِ عليهِ بحصولِ الشفاءِ.
وعكسُه، أيْ: وضْعُ المضارعِ موْضِعَ الماضي لغَرَضٍ، كاستحضارِ الصورةِ الغريبةِ في الخيالِ، يعْنِي إذا أُريدَ حكايةُ صورةٍ ماضيةٍ يُهْتَمُّ باستحضارِها لغَرابةٍ عُبِّرَ عنها بصيغةِ المضارعِ الدالِّ على الحاضِرِ الذي منْ شأنِه أنْ يُشاهَدَ، فكأنَّهُ يَسْتَحْضِرُ بلفظِ المضارِعِ تلكَ الصورةِ ليُشاهدَها السامِعونَ، كقولِه تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا} ، فالتعبيرُ بالمضارِعِ، أيْ (فَتُثِيرُ) ، موضعَ الماضي، أيْ (فَأَثَارَتْ) ، إنَّما هوَ لاستحضارِ الصورةِ البديعةِ الغريبةِ الدالَّةِ على قُدرتِه تعالى الباهرَةِ القاهرةِ.
وإفادةِ الاستمرارِ للفعْلِ استمرارًا تَجَدُّدِيًّا في الأوقاتِ الماضيةِ، نحوَ: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ} ، أيْ: في كثيرٍ من الوقائعِ، {لَعَنِتُّمْ} ، أيْ: لَوَقَعْتُمْ في جَهْدٍ وَبَلَاءٍ، فالأصْلُ في كلمةِ (لوْ) دُخولُها على الماضي، لكنْ عُدِلَ ههنا إلى المضارِعِ لقَصْدِ إفادةِ الاستمرارِ، أيْ: لو اسْتَمَرَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ على إطاعتِكم وموافَقَتِكم في كلِّ ما تَسْتَصْوِبُونَه بحسَبِ رأْيِكُم فيما مَضَى وقتًا بعدَ وقْتٍ ومَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ كما هوَ مُرادُكم منهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذلكَ الاستمرارَ بقرينةِ {فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ} لوَقَعْتُمْ في بلاءٍ وجهدٍ.
و (منها) وَضْعُ الخبَرِ مَوْضِعَ الإنشاءِ لغَرَضٍ، كالتفاؤلِ بوقوعِ المعنى المرادِ، نحوَ قَوْلِكَ في مَقامِ الدعاءِ للمخاطَبِ: هداكَ اللَّهُ لصالِحِ الأعمالِ، موضِعَ اللَّهُمَّ اهدِهِ، ليَتَفَاءَلَ بلفْظِ الْمُضِيِّ على حصولِ الْهِدايةِ لصالِحِ الأعمالِ، وعَدِّها من الأمورِ الواقعةِ التي حَقُّها الإخبارُ عنها بأفعالٍ ماضيةٍ.
وإظهارِ الرغبةِ والحرْصِ على وقوعِ المطلوبِ، نحوَ: (رَزَقَنِي اللَّهُ لقاءَكَ) ، فعَبَّرَ بالماضي ولمْ يَقُل: (اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي لقاءَهُ) ؛ إظهارًا للرغبةِ والحرْصِ على وقوعِ اللقاءِ.
والاحترازِ عنْ صورةِ الأمْرِ تَأَدُّبًا، كقولِكَ: (إذا حَوَّلَ الْمَوْلَى عنْ أمْرِكَ وجْهَهُ يَنْظُرُ مَوْلَايَ في أَمْرِي) ، مقامَ انظُرْ؛ للتأدُّبِ والاحترازِ عنْ صورةِ الأمرِ والاستعلاءِ.
وعكسُه، أيْ: وضْعُ الإنشاءِ مَوْضِعَ الخبَرِ لغَرَضٍ:
كإظهارِ العِنايةِ بالشيءِ والاهتمامِ بشأنِه، نحوَ: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} ، لم يَقُلْ: وإقامةِ وجوهِكُم، عَطْفًا على الْقِسْطِ كما هوَ مُقْتَضَى الظاهِرِ؛ عنايةً بأمْرِ الصلاةِ، وإظهارًا لكونِها مِمَّا يُعْتَنَى بشأنِه للشرَفِ والعَزازةِ.
والتحاشي عنْ موازاةِ اللاحقِ بالسابقِ، نحوَ: {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} ، فَعَدَلَ عنْ لفظِ الْأَوَّلِ ولم يَقُلْ: وأُشْهِدُكُمْ؛ تحاشيًا عنْ مُوازاةِ شهادتِهم بشَهادةِ اللَّهِ لِمَا بينَهما من الاختلافِ، فإنَّ إشْهادَ اللَّهِ على الْبَراءةِ من الشرْكِ إشهادٌ صحيحٌ ثابتٌ، وأَمَّا إشهادُهم فما هوَ إلَّا تَهَاوُنٌ بدينِهم، واستهانَةٌ بحالِهم.