(منها) ، تنزيلُ العالِمِ بفائدةِ الخبرِ، وهيَ الحكْمُ الذي تَضَمَّنَهُ الخبَرُ أوْ لازِمُها الذي هوَ كَوْنُ المتكلِّمِ عالمًا بتلكَ الفائدةِ، منزلةَ الجاهِلِ بها؛ لعَدَمِ جَرْيِه على مُوجِبِ عِلْمِه الذي هوَ العَمَلُ بحسَبِ ذلكَ العلْمِ. والمعنى أنَّ يُنَزَّلَ العالِمُ بالفائدةِ منزلَةَ الجاهلِ بها لِعَدَمِ جَرْيِه على مُوجَبِ عِلْمِه بالفائدةِ، أوْ يُنَزَّلَ العالِمُ بلازِمِ الفائدةِ منزِلةَ الجاهِلِ بهِ لعَدَمِ جَرْيِه على مُوجِبِ عِلْمِه بلازِمِ الفائدةِ. فالضميرُ في قولِه: (منزِلَةَ الجاهِلِ بها) ، راجعٌ إلى الفائدةِ، لكنَّ الْمُرادَ بالفائدةِ حينئذٍ ما يَعُمُّ لازِمَ الفائدةِ لكونِه فائدةً أيضًا، فيُلْقَى إليه الخبرُ بسببِ هذا التنزيلِ كما يُلْقَى إلى الجاهلِ، ولوْ لمْ يكُنْ هذا التنزيلُ لم يكُنْ إلقاءُ الخبَرِ إليه لائِقًا؛ لأنَّ العالِمَ بما يُقْصَدُ بالخبَرِ من الفائدةِ أوْ لازمِها ليسَ منْ شأنِ العُقَلاءِ إلقاءُ الخبرِ إليه، كقولِك لمَنْ يُؤْذِي أَبَاهُ: (هذا أبوكَ) ؛ فإنَّهُ لَمَّا آذَى أباهُ معَ عِلْمِه بأنَّهُ أبوهُ نُزِّلَ منزِلَةَ الجاهِلِ بكونِه أبَاهُ، وأُلْقِيَ إليه الخبَرُ كما يُلْقَى للجاهِلِ؛ تنبيهًا على أنَّهُ هوَ والجاهلُ سواءٌ، وإيماءً إلى أنَّ هذا الإيذاءَ لا يُتَصَوَّرُ إلَّا من الجاهلِ.
ومنها، تنزيلُ غيرِ المنْكِرِ منزِلةَ الْمُنْكِرِ إذا لاحَ وظَهَرَ عليهِ شيءٌ منْ علاماتِ الإنكارِ التي يَزْعُمُ بها المتكلِّمُ كونَه منكِِرًا، معَ أنَّهُ ليسَ كذلكَ في الحقيقةِ، فيؤَكَّدُ لهُ الكلامُ وجوبًا كما يُؤَكَّدُ للمنِكِر، نحوَ: (جاءَ شقيقٌ عارِضًا رُمْحَه) ، أيْ: واضعًا لرُمْحِه بحيثُ يكونُ عَرْضُه في جهةِ الأعداءِ على ما هوَ عادةُ مَنْ ليسَ مُتَهَيِّئًا للحرْبِ، فمجيئُهُ على هذه الهيئةِ علامَةُ اعتقادِه أنَّهُ لا رُمْحَ في بَنِي عمِّه الخُصُومِ له، فنُزِّلَ بسببِ هذه الَعَلامةِ للإنكارِ منزِلَةَ المنكِرِ معَ أنَّهُ لا يُنْكِرُ أنَّ في أعدائِه منْ بني عمِّه رِماحًا، وخوطِبَ بقولِه: (إِنَّ بني عمِّكَ فيهم رماحُ) ، على وجه التأكيدِ كالمنكِرِ. وكقولِك للسائلِ المستبْعِدِ حصولَ الفرَجِ: (إنَّ الفرَجَ لقريبٌ) ، مؤَكِّدًا بإنَ واللامِ. فمُجَرَّدُ كونِه سائلًا، وإنْ كانَ يَقتَضِي أنْ يُؤْتَى في الكلامِ الْمُلْقَى إليه بتأكيدٍ، لكِنْ زيادةُ التأكيدِ على الواحدِ لتنزيلِه منزِلةَ المنكِرِ، وجَعْلِ استبعادِه علامَةَ الإنكارِ.
وتنزيلُ المنكِرِ أو الشاكِّ منزلةَ الخالي الذهْنِ إذا كانَ معه من الشواهدِ والدلائلِ ما إذا تَأَمَّلَه وتَفَكَّرَ فيهِ زالَ إنكارُه أوْ شَكُّه، وانتقَلَ إلى مَرتبةِ خالي الذِّهنِ، فيُلْقى إليه الخبرُ غير مُؤَكَّدٍ كما يُلْقَى إلى خالي الذِّهْنِ، كقولِكَ لِمَنْ يُنْكِرُ مَنفعةَ الطبِّ أوْ يَشُكُّ فيها: الطبُّ نافعٌ، منْ غيرِ تأكيدٍ؛ فإنَّ الدلائلَ الدالَّةَ على كونِ الطبِّ نافعًا لَمَّا كانت ظاهِرَةً بحيثُ لوْ تَأَمَّلَها الْمُنْكِرُ أو الشاكُّ زالَ إنكارُه أوْ شَكُّه جُعِلَ الجحودُ والشكُّ معها كالعَدَمِ، وأَلْقَى الكلامَ إلى الْمُنْكِرِ والشاكِّ غيرَ مُؤَكَّدٍ كما يُلْقَى إلى خالي الذهْنِ.
و (منها) ، وَضْعُ الماضي مَوْضِعَ المضارِعِ لغَرَضٍ:
كالتنبيهِ على تحقُّقِ الْحُصولِ، فإنَّ لفظَ الْمُضِيِّ مُشْعِرٌ بتحَقُّقِ الوقوعِ، نحوَ: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} ، فعَبَّرَ بالماضي. وكانَ مُقْتَضَى الظاهِرِ: يأتي أمْرُ اللَّهِ، بصيغةِ المضارِعِ لكونِه منتَظَرًا؛ تَنبيهًا على تحقُّقِ حصولِه ليَطْمِئِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمؤمنونَ.
أو التفاؤلِ والتَّيَمُّنِ، وذلكَ لأنَّ السامعَ إذا سَمِعَ ما يَدُلُّ على حصولِ مُتَمَنَّاهُ ووقوعِه حَصَلَ لهُ من السرورِ ما لم يَحْصُلْ إذا عَبَّرَ بما يَدُلُّ على حصولِه في الاستقبالِ، نحوَ: (إنْ شفاكَ اللَّهُ اليومَ تَذْهَبْ معي غَدًا) . فالتعبيرُ بالماضي ههنا، وإنْ كانَ