الصفحة 73 من 111

يعني لوْ أَخَذَ في التعريفِ الكلمةَ كانَ التعريفُ مُخْتَصًّا بالْمَجَازِ الْمُفْرَدِ، فلمْ يكُنْ شاملًا للمَجازِ الْمُرَكَّبِ، معَ أنَّ المقصودَ ههنا هوَ تعريفُ مُطْلَقِ الْمَجَازِ الشاملِ لنَوْعَيْهِ؛ فلذا عَبَّرَ باللفْظِ الشامِلِ للمُفْرَدِ والْمُرَكَّبِ ليَعُمَّ التعريفُ ويَشْمَلُ الْمَجَازَ الْمُفْرَدَ والْمَجَازَ الْمُرَكَّبَ. وإنَّما قَصَدَ تعريفَ مُطْلَقِ الْمَجَازِ، ولم يُعَرِّفْ كُلًّا من الْمَجَازِ الْمُفْرَدِ والْمَجَازِ الْمُرَكَّبِ على حِدَةٍ؛ لأنَّ ما هوَ بصَدَدِه منْ بيانِ أحوالِهما وأقسامِهما من الْمُرْسَلِ والاستعارةِ يَكفي فيهِ معرفتُهما مُطْلَقًا، سواءٌ كانَ على وجهِ الإجمالِ أوْ على سبيلِ التفصيلِ. ولا شَكَّ أنَّهُ يَحْصُلُ منْ تعريفِ الجنْسِ معرفةُ الأنواعِ الْمُندرِجَةِ تحتَهُ ولوْ بالإجمالِ؛ فلذا اكتَفَى بتعريفِ مُطْلَقِ الْمَجَازِ، ولمْ يَرَ حاجةً إلى تعريفِ كلٍّ مِنْ نوعَيْهِ على حِدَةٍ.

الْمُسْتَعْمَلُ في غيرِ ما وُضِعَ لهُ: إنَّما قالَ ذلكَ لأنَّ ما لمْ يُسْتَعْمَلْ أصْلًا، لا من الواضعِ ولا منْ غيرِه، خارجٌ عنه؛ لأنَّهُ ليسَ بحقيقةٍ ولا مَجَازٍ، وكذا ما اسْتُعْمِلَ فيما وُضِعَ لهُ فإنَّهُ حقيقةٌ لا مجازٌ لعَلاقةٍ، وهيَ ما أَوْجَبَ المناسَبَةَ المقتضيةَ لنَقْلِ اللفظِ عن الموضوعِ لهُ إلى غيرِه، كالمشابَهَةِ في مَجازِ الاستعارةِ، وكالمناسَبَةِ بينَ الكلِّ والجزءِ في الْمَجَازِ الْمُرْسَلِ. فخَرَجَ بهذا القيْدِ الغلَطُ، كقولِنا: خُذْ هذا الفَرَسَ، مشيرًا إلى كتابٍ منْ غيرِ اعتبارِ عَلاقةٍ بينَ الفَرَسِ والكتابِ معَ قرينةٍ مانِعةٍ منْ إرادةِ المعنى السابقِ وهوَ الموضوعُ لهُ؛ لكونِه سابقًا في التَّحَقُّقِ، أوْ لكونِه سابقًا إلى الفَهْمِ. فخَرَجَ بهِ الكنايةُ؛ لأنَّها وإنْ كانتْ مستعمَلَةً في غيرِ ما وُضِعَتْ لهُ لعَلاقةٍ لكنْ معَ جوازِ إرادةِ ما وُضِعَتْ لهُ، كما يأتي بيانُ ذلكَ فيما بَعْدُ، كالدُّرَرِ المستَعْمَلَةِ في الكلماتِ الفصيحةِ في قولِكَ:

(فلانٌ يَتَكَلَّمُ بالدُّرَرِ) ؛ فإنَّها مَجازٌ في هذا الاستعمالِ لأنَّها مستَعْمَلَةٌ في غيرِ ما وُضِعَتْ لهُ، إذْ قدْ وُضِعَتْ في الأصْلِ للَّآلِئ الحقيقيَّةِ ثمَّ نُقِلَتْ إلى الكماتِ الفصيحةِ لعَلاقةِ المشابَهَةِ بينَهما في الْحُسْنِ. والذي يَمْنَعُ منْ إرادةِ المعنى الحقيقيِّ قرينةُ يتَكَلَّمُ؛ لأنَّهُ لا يُعقَلُ التكلُّمُ بالَّآلِئ الحقيقيَّةِ. وكالأصابعِ المستعمَلَةِ في الأناملِ في قولِه تعالى: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} ؛ فإنَّها مستعمَلَةٌ في غيرِ ما وُضِعَتْ لهُ لعَلاقةِ أنَّ الأُنْمُلَةَ جزءٌ من الأُصْبَعِ، فاستُعْمِلَ الكلُّ في الجزءِ، وقرينةُ ذلكَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ جَعْلُ الأصابعِ بتمامِها في الآذانِ، بلْ رأسِها الذي هوَ الأُنْمُلَةُ، فالقرينةُ ههنا عقليَّةٌ، وفي المثالِ الأوَّلِ لفْظِيَّةٌ.

والْمَجَازُ إنْ كانتْ عَلاقتُه المشابَهَةَ بينَ المعنى الْمَجَازيِّ والمعنى الحقيقيِّ، كما في المثالِ الأَوَّلِ، يُسَمَّى استعارةً؛ لكونِه مُسْتَعَارًا من المعنى الأصليِّ لغيرِه، كاللِّباسِ الذي اسْتُعِيرَ منْ صاحبِه وأُلْبِسَ غيرَه.

فعلى هذا التسميةُ بالاستعارةِ منْ قبيلِ تسميةِ المفعولِ بالْمَصْدَرِ. وإلَّا: أيْ وإنْ لمْ يكُنْ عَلاقتُه المشابَهَةَ بينَ المعنى الْمَجَازيِّ والمعنى الحقيقيِّ، بلْ غيرَ هذه العَلاقةِ من العَلاقاتِ التي سيأتي بيانُها، فمَجازٌ مُرْسَلٌ؛ لأنَّ الإرسالَ في اللغةِ الإطلاقُ، وهوَ مُطْلَقٌ عن التقييدِ بالمشابَهَةِ، كما في الْمِثالِ الثاني؛ فإنَّ العَلاقةَ فيهِ ليستْ هيَ الْمُشابَهَةَ، بل الكُلِّيَّةَ والجزئيَّةَ.

الاستعارةُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت