باشتمالِها على معناها إفادتهُا لِمَا هوَ المقصودُ من الأُولَى ولوْ معَ الزيادةِ، لا أنَّها تُفيدُ نفْسَ معنى الأُولى بالمطابَقةِ، وإلَّا كانَ ذلكَ تَكرارًا. تأكيدًا لها، أيْ: لقَصْدِ التأكيدِ والتقويةِ بتلكَ الجملةِ الثانيةِ للأُولَى. وهوَ، أي: التذييلُ، ضَرْبَان؛ لأنَّهُ إمَّا أنْ يكونَ جاريًا مَجرى الْمَثَلِ، بأنْ يُقْصَدَ بالجملةِ الثانيةِ الْمُذَيَّلِ بها حكْمٌ كُلِّيٌّ يكونُ مُنْفَصِلًا عَمَّا قَبْلَه لاستقلالِ معناهُ واستغنائِه عمَّا قَبْلَه، فيكونُ في هذا الوصْفِ مُلْحَقًا بالْمَثَلِ؛ لأنَّ الْمَثَلَ عبارةٌ عنْ كلامٍ تامٍّ نُقِلَ عنْ أصْلِ استعمالِه لكلِّ ما يُشبِهُ حالَ الاستعمالِ الأَوَّلِ، فشأنُ الْمَثَلِ الاستقلالُ، كقولِه تعالى: {جَاءَ الْحَقُّ} ، أي: الإسلامُ، {وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} ، أيْ: زالَ الكُفْرُ، {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} ، فهذه الجملةُ معَ كونِها مُتَضَمِّنَةً لمعنى الأولى، وهوَ زُهُوقُ الباطلِ، أي اضْمِحْلالُه وذهابُه، ولهذا كانتْ تأكيدًا لها، قدْ قُصِدَ بها حُكْمٌ كُلِّيٌّ لا يَتَوَقَّفُ معناهُ على الأُولى، فَصَدَقَ على هذا القولِ اسمُ هذا الضرْبِ من التذييلِ.
وإمَّا أنْ يكونَ غيرَ جارٍ مَجْرَى الْمَثَلِ بأنْ لا يَسْتَقِلَّ بإفادةِ الْمُرادِ لعَدَمِ استغنائِه عمَّا قَبْلَه، فلا يكونُ جَارِيًا مَجْرَى الْمَثَلِ؛ لكونِ وصْفِ الْمَثَلِ الاستقلالَ، كقولِه تعالى: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} ، وهذا على تأويلِ أنْ يُجْعَلَ المعنى: وهلْ نُجَازِي ذلكَ الجزاءَ المخصوصَ الذي ذُكِرَ منْ قبلُ، وهوَ إرسالُ سَيْلِ العَرِمِ وتبديلُ الْجَنَّتَيْنِ، إلَّا الكَفورَ؛ لأنَّهُ حينئذٍ يكونُ متَعَلِّقًا بما قَبْلَه، وهوَ قولُه تعالى: {وَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ} الآيةَ، فلا يكونُ جَارِيًا مَجْرَى الْمَثَلِ في الاستقلالِ، ولوْ أُوِّلَ على أنْ يُجْعَلَ المعنى: وهلْ نُعَاقِبُ مُطْلَقَ العقابِ إلَّا الكَفورَ، جَرَى مَجْرَى الْمَثَلِ لعَدَمِ توقُّفِ المرادِ حينئذٍ على ما قَبْلَه.
ومنها الاحتراسُ: مِنْ حَرَسَ الشيءَ حَفِظَه، وهوَ أنْ يُؤْتَى في كلامٍ يُوهِمُ خِلافَ المقصودِ بما، أيْ: قولٍ، يَدْفَعُه، أيْ: يَدْفَعُ ذلكَ الإيهامَ، نحوَ: (فَسَقَى ديارَكَ غيرَ مُفْسِدِهَا) ، حالٌ مُقَدَّمٌ منْ فاعلِ سَقَى، وهوَ صَوْبُ الربيعِ، أيْ: نزولُ المطَرِ ووقوعُه في الربيعِ، و (دِيمَةٌ) بكسْرِ الدالِ: المطَرُ المستَرْسِلُ، وأقلُّه ما بَلَغَ ثلُثَ النهارِ والليلِ، وأكثَرُه ما بَلَغَ أُسبوعًا، (تَهْمِي) ، أيْ: تَسِيلُ، منْ هَمَى الماءُ إذا سالَ. فلمَّا كانَ المطَرُ قدْ يُؤَدِّي بدوامِه إلى خَرابِ الدِّيارِ وفسادِها أَمْكَنَ أنْ يَقَعَ في الوَهْمِ أنَّ ذلكَ دعاءٌ على فسادِ الديارِ، فأَتَى بقولِه: (غيرَ مُفْسِدِهَا) ، دفْعًا لذلكَ التَّوَهُّمِ.
(ومنها) التكميلُ: وهوَ أنْ يُؤْتَى في كلامٍ لا يُوهِمُ خِلافَ المقصودِ بفَضْلَةٍ، أيْ: ما ليسَ بجملةٍ مُستَقِلَّةٍ ولا رُكْنَ كلامٍ، كالمفعولِ أو المجرورِ أوْ نحوَ ذلكَ، تَزيدُ المعنى التامَّ بدونِها حُسْنًا في الغَرَضِ الْمَسوقِ لهُ الكلامُ، نحوَ: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ} ، أيْ: معَ حُبِّه واشْتِهَائِه الناشئِ عن الحاجةِ إليه، وذلكَ أَبْلَغُ في الكَرَمِ والتَّنَزُّهِ عن البُخْلِ المذمومِ منْ مُجَرَّدِ إطعامِ الطعامِ ولوْ كانَ كَرَمًا أيضًا. فَزِيَادَةُ الفَضْلَةِ ههنا، وهوَ قولُه تعالى: {عَلَى حُبِّهِ} ، تَزيدُ في مَدْحِ الأبرارِ بالكَرَمِ الذي هوَ الْغَرَضُ الْمَسوقُ لهُ الكلامُ حُسْنًا ومبالَغَةً، وإنْ كانَ أصْلُ المدْحِ يَتِمُّ بدونِها.
وبعضُهم سَمَّى هذا القِسْمَ بالتَّتْمِيمِ، وجَعَلَ التكميلَ نفسَ الاحتراسِ المذكورِ قَبْلَه؛ لتكميلِه المعنى بدَفْعِ خِلافِ المقصودِ عنْهُ، والأمْرُ سَهْلٌ.
إذًا التكميلُ والتَّتْمِيمُ شيءٌ واحدٌ لُغَةً.