إنَّ الثمانينَ وبُلِّغْتَهَا * قدْ أَحْوَجَتْ سَمْعِي، لثِقَلِه بِمُضِيِّ هذه السنَةِ، (إلى تَرْجَمَانِ) بفتْحِ التاءِ والجيمِ، ويقالُ أيضًا بضَمِّ الجيمِ وفتْحِ التاءِ، وهوَ في الأصْلِ مَنْ يُفَسِّرُ لغةً بلغةٍ، لكنَّ المرادَ بهِ هنا مَنْ يُفَسِّرُ بصوتٍ أجْهَرَ من الصوتِ الأوَّلِ ليُسْمَعَ ما قالَ، فقولُه: (وبُلِّغْتَهَا) ، اعتراضٌ بينَ أجزاءِ جملةٍ لغَرَضِ الدعاءِ للمخاطَبِ بطُولِ عُمْرِه، وبلوغِه ثمانينَ سنةً، والواوُ فيهِ واوُ الاعتراضِ.
وكالتنزيهِ للَّهِ سبحانَه، في نحوَ قولِه تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} ، فقولُه تعالى: سُبْحانَه، جملةٌ مُعْتَرِضَةٌ؛ لأنَّهُ مَصْدَرٌ منصوبٌ بفِعْلٍ مقَدَّرٍ أيْ أُسَبِّحُه تَسبيحًا، وهيَ أيضًا وَقَعَتْ بينَ أجزاءِ جملةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ المرادَ بالجملةِ الواحدةِ مجموعُ الْمُسْنَدِ إليه والْمُسْنَدِ معَ الْمُتَعَلِّقَاتِ والْفَضَلَاتِ ولوْ بالعطْفِ، لا مجموعُ الْمُسْنَدِ إليه والْمُسْنَدِ فقطْ، فقولُه تعالى: {وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} ؛ لكونِه معطوفًا على قولِه تعالى: {لِلَّهِ الْبَنَاتِ} ، أيضًا من الْمُتعلَّقاتِ كالمعطوفِ عليه، والجملةُ المعترِضَةُ واقعةٌ بينَ هذينِ المتعاطِفَيْنِ، وفائدةُ الاعتراضِ هنا التنزيهُ للَّهِ تعالى، وهوَ في غايةِ المناسَبَةِ للمَقامِ؛ لأنَّ المقصودَ منْ هذا الكلامِ بيانُ شَناعتِهم في نِسبةِ البناتِ إليه تعالى، ونِسبةِ البنينَ لأنفسِهم، فبيانُ تنزيهِه تعالى وبُعدِه عمَّا أَثْبَتُوا لهُ في أثناءِ الكلامِ تَزْدادُ بهِ الشفاعةُ في هذه النِّسبةِ.
ومِثالُ الاعتراضِ بينَ الجملتينِ الْمُتَّصِلَتَيْنِ معنًى قولُه تعالى: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ * نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} ، فإنَّ قولَه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} ، اعتراضٌ بينَ جملتينِ؛ إحداهما قولُه تعالى: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} ، وثانيتُهما قولُه تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} ، وهما مُتَّصِلَتَانِ معنًى؛ لأنَّ قولَه تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} بيانٌ لقولِه تعالى: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} لما فيهِ من الإجمالِ، فإنَّ المكانَ الذي أَمَرَ بإتيانِهنَّ منهُ مُبْهَمٌ، فبَيَّنَ بأنَّهُ موضِعُ الْحَرْثِ بقولِه: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} .
(ومنها) الإيغالُ: وهوَ في الأصْلِ منْ أَوْغَلَ في البَلَدِ، إذا أَسْرَعَ السيْرَ فيها حتَّى أَبْعَدَ فيها. وفي الاصطلاحِ: خَتْمُ الكلامِ سواءٌ كانَ شِعْرًا أوْ غيرَه بما -أيْ: بلفظٍ، مُفْرَدًا كانَ أوْ جُمْلَةً - يُفِيدُ غَرَضًا لا يَتَوَقَّفُ أصْلُ المعنى عليهِ، بلْ يَتِمُّ أصْلُ المعنى المرادِ بدونِه، وذلكَ الغَرَضُ كالمبالَغَةِ في قولِ الْخَنساءِ في مَدْحِ أخيها صَخْرٍ:
(وإنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ) ، أيْ: لتَقْتَدِي، (الْهُدَاةُ) ، الناسُ إلى المعالي فكيفَ بالْمُهْتَدِينَ، (به) ، أيْ: بصَخْرٍ، (كأنَّه) ، أيْ: صَخْرًا، (عَلَمٌ) ، أيْ: جَبَلٌ مرْتَفِعٌ. فهذا القَدْرُ وافٍ بأَصْلِ المقصودِ، أَعْنِي تَحَقُّقَ اقتداءِ الْهُداةِ بهِ بإلحاقِه بالْجَبَلِ المرتَفِعِ الذي هوَ أظْهَرُ المحسوساتِ في الاهتداءِ به. فوَصْفُ العلَمِ بقولِها: (في رأسِه) ، أيْ: في رأسِ ذلكَ العلَمِ، (نارٌ) للمبالَغةِ؛
لأنَّ وصْفَ العلَمِ بوجودِ نارٍ على رأسِه أبلَغُ في ظهورِه في الابتداءِ بهِ مِمَّا ليسَ كذلكَ، فَتَنْجَرُّ المبالَغةُ إلى الْمُشَبَّهِ الممدوحِ بالاهتداءِ بهِ.
و (منها) التذييلُ: وهوَ في الأصلِ جعْلُ الشيءِ ذَيْلًا للشيءِ، وفي الاصطلاحِ: تعقيبُ الجملةِ بأُخرى، أيْ: جعْلُ الجملةِ عَقِبَ جملةٍ أخرى تَشْتَمِلُ على معناها، أيْ: تَشْتَمِلُ تلكَ الجملةُ الثانيةُ الْمُعَقَّبُ بها على معنى الأُولى الْمُعَقَّبَةُ، والمرادُ