الصفحة 52 من 111

فقولُه: أَبْرَحُ، بمعنى لا أَبْرَحُ ولا أزالُ، فحَذَفَ حرفَ النفيِ لعَدَمِ التباسِه بالإثباتِ، إذْ لوْ كانَ إثباتًا لمْ يكُنْ بُدٌّ من اللامِ والنونِ معًا أوْ أحدِهما. ونحوَه قولُه تعالى: {تَاللَّهِ تَفْتَؤُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} ، أيْ: لا تَفْتَؤُ ولا تَزالُ.

وحذْفُ الجملةِ، كقولِه تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} ، أيْ: فَتَأَسَّ بتكذيبِ الرُّسُلِ منْ قَبْلِكَ، واصبِرْ على تكذيبِكَ. فحُذِفَتْ هذه الجملةُ التي هيَ الجزاءُ للشَّرْطِ، ووُضِعَ موضِعَها {فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} ؛ استغناءً بالسبَبِ عن الْمُسَبَّبِ، فإنَّ تكذيبَ الرسلِ الْمُتَقَدِّمينَ سببٌ للتَّأَسِّي.

وحذفُ الأكثرِ من الجملةِ، نحوَ قولِه تعالى حكايةً عنْ صاحبِ السجنِ ليُوسفَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ وعلى نبيِّنا السلامُ: {فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ} ، فإنَّ هذا القولَ حُذِفَ فيهِ أكثَرُ منْ جملةٍ واحدةٍ، لا يَسْتَقِيمُ المعنى إلَّا بهِ، كما أَشارَ إلى تقديرِه بقولِه: أيْ (أَرْسِلُونِي إِلَى يوسفَ لأَسْتَعْبِرَهُ الرُّؤْيَا) ، ففَعَلوا، فأتاهُ وقالَ لهُ: (يا يُوسفُ) ، فهذهِ جُمَلٌ عديدةٌ حُذِفَتْ بمُتَعَلِّقَاتِها إيجازًا لدَلالةِ الكلامِ عليها.

* أقسامُ الإطنابِ

الإطنابُ يكونُ بأمورٍ كثيرةٍ منها:

ذِكْرُ الخاصِّ بعدَ العامِّ: أيْ على سبيلِ العطْفِ لا مُطْلَقًا، بأنَّ ما يَذكُرُه من الفائدةِ واعتبارِ المغايَرَةِ إنَّما يَجْرِي فيهِ لا في ذِكْرِه على سبيلِ البَدَلِيَّةِ وغيرِها مِمَّا ليسَ بعَطْفٍ، نحوَ: (اجْتَهِدُوا في دروسِكم واللُّغَةِ العربيَّةِ) ، فذِكْرُ اللغةِ العربيَّةِ بعدَ ذِكْرِ الدروسِ ذِكْرُ الخاصِّ بعدَ العامِّ على سبيلِ العَطْفِ، وفائدتُه التنبيهُ على فَضْلِ الخاصِّ المذكورِ بعدَ العامِّ ومَزِيَّتِه، كأنَّهُ - لرِفْعَتِه، أيْ لوَصْفِه الذي بهِ حَصَلَ لهُ الرِّفْعَةُ والْمَزِيَّةُ على سائرِ أفرادِ العامِّ - جِنسٌ آخَرُ مغايِرٌ لِمَا قَبْلَه، أيْ مغايِرٌ لِجِنْسِ العامِّ المذكورِ قَبْلَه، بحيثُ لا يَشْمَلُه ذلكَ العامُّ، ولا يُعَمَّمُ حكْمُه منهُ؛ فلذا صَحَّ ذِكْرُه بعدَ ذلكَ العامِّ على سبيلِ العطْفِ الْمُقْتَضِي للتغايُرِ.

(ومنها) ، ذِكْرُ العامِّ بعدَ الخاصِّ: وفائدتُه التنبيهُ على كونِ الخاصِّ أحَقَّ بالحكْمِ معَ عَدَمِ اختصاصِ هذا الحكْمِ به، كقولِه تعالى حكايةً عنْ نبيِّه نوحٍ على نبيِّنا وعليهِ السلامُ: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} ، فخَصَّ أوَّلًا مَنْ يَتَّصِلُ بهِ لكونِهم أَوْلَى وأَحَقَّ بدعائِه، ثمَّ عَمَّ المؤمنينَ والمؤمناتِ.

(ومنها) ، الإيضاحُ بعدَ الإبهامِ: أيْ إيضاحُ شيءٍ بعدَ إبهامِه، وفائدتُه أنْ يَتَمَكَّنَ في النفسِ فَضْلُ تَمَكُّنٍ؛ لأنَّ الإشعارَ بهِ إجمالًا يَقْتَضِي التشوُّقَ لهُ، ومُقْتَضَى الْجِبِلَّةِ أنَّ الشيءَ إذا جاءَ بعدَ التَّشَوُّقِ يَقَعُ في النفْسِ فَضْلَ وقوعٍ، ويَتَمَكَّنُ فيها زيادةَ تَمَكُّنٍ، نحوَ: {أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ} ، فقولُه تعالى: {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ} ، بيانٌ وتفصيلٌ لنِعَمِ اللَّهِ تعالى بعدَ ذِكْرِها إبهامًا وإجمالًا بقولِه تعالى: {أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ} ؛ لأنَّ المرادَ (بما تَعلَمُون النِّعَمَ) كما يُشْعِرُ بهِ لفظُ الإمدادِ، فيُفيدُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت