وسآمةُ المحادَثَةِ، نحوَ: * قالَ لي كيفَ أنْتَ قلتُ عَلِيلُ *
فلم يَقُلْ: (أنا عَلِيلُ) ، بسببِ ضَجَرِ الصدْرِ وسآمةِ المحادَثَةِ منْ عِلَّتِه.
وبالجملةِ، جميعُ ما ذُكِرَ مِنْ دواعي تَرْكِ الْمُسْنَدِ إليه أو الْمُسْنَدِ أوْ مُتعلَّقَاتِهما هيَ دواعي الإيجازِ، فلا حاجةَ إلى زيادةِ الكلامِ والتفصيلِ في بيانِها.
ومِنْ دواعي الْإِطْنَابِ تثبيتُ المعنى في نفْسِ المخاطَبِ، وذلكَ عندَ اقتضاءِ الْمَقامِ ذلكَ التثبيتَ؛ لكونِ المعنى مِمَّا يَنبغِي أنْ يُمْلَأَ بهِ القلْبُ لرَغبةٍ أوْ لرَهبةٍ أوْ نحوَ ذلكَ.
وكذا توضيحُ المرادِ والتوكيدُ ودفْعُ الإيهامِ عندَ اقتضاءِ الْمَقامِ ذلكَ.
وسيأتي في أقسامِ الإطنابِ بيانُ كلٍّ منها على التفصيلِ فانْتَظِرْهُ.
أقسامُ الإيجازُ
الإيجازُ إمَّا أنْ يكونَ بتَضَمُّنِ العبارةِ القصيرةِ معانيَ كثيرةً ضُمِّنَتْها تلكَ العبارةُ بدِلالةِ الالتزامِ أو التَّضَمُّنِ بلا حذْفِ شيءٍ في نفسِ تركيبِها، وهوَ مَرْكَزُ عنايةِ البُلَغَاءِ لزيادةِ اعتنائِهم إلى إدماجِ المعاني الكثيرةِ بلفظٍ يسيرٍ، ولا يَقْدِرُ عليهِ غيرُهم منْ أوساطِ الناسِ، وبهِ تَتَفاوتُ أقدارُهم في البلاغةِ، ويُسَمَّى هذا الإيجازُ إيجازَ قِصَرٍ؛ لوجودِ الاقتصارِ في العِبارةِ معَ كثرةِ المعاني، نحوَ قولِه تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} ، فَإِنَّ الْمَعْنَى الذي تُفيدُه الآيةُ كثيرٌ معَ كونِ لفْظِه يسيرًا؛ وذلكَ لأنَّهُ لَمَّا دَلَّ بالمطابَقَةِ على أنَّ القِصاصَ فيهِ الحياةُ للناسِ تأمَّلَ في وجهِ كونِه سببًا لهذه الحياةِ، فاستُفِيدَ منْ تَأَمُّلِ معنى القِصاصِ الذي هوَ قَتْلُ القاتِلِ ظُلْمًا أنَّ ذلكَ إنَّما هوَ لِمَا جُبِلَتْ عليهِ النفوسُ منْ أنَّ الإنسانَ إذا عَلِمَ أنَّهُ إنْ قَتَلَ قُتِلَ ارْتَدَعَ عن ارتكابِ ما يُتْلِفُ بهِ نفسَه، فحينئذٍ لا يَتَقَدَّمُ على القَتْلِ، فيَحْصُلُ لهُ وللذي يَعْزِمُ على قَتْلِه حياةٌ. ثمَّ هذا المعنى يَسْتَوِي فيهِ جميعُ الْعُقَلَاءِ فيَعُمُّ ثبوتُ الحياةِ لجميعِهم. وهذا المعنى كثيرٌ استُفيدَ منْ لَفْظٍ يسيرٍ بلا حَذْفِ شيءٍ يَفْتَقِرُ التركيبُ إليه في تأديةِ معناهُ.
وأمَّا تقديرُ مُتَعَلِّقِ الجارِّ والمجرورِ منْ فِعْلٍ أو اسْمِ فاعلٍ فهوَ لأمْرٍ لَفْظِيٍّ لا لاحتياجِ أصْلِ المعنى إليه. وقدْ أُشيرَ في الْمُطَوَّلَاتِ إلى مَطَالِبَ أُخرى تُستفَادُ منْ هذا القولِ، فيَزِيدُ بها معناهُ كثْرَةً، لكنْ لا يَلِيقُ ذِكْرُها في مِثْلِ هذا الْمُخْتَصَرِ.
وإمَّا أنْ يكونَ بحذْفِ كلمةٍ أوْ جملةٍ أوْ أكثرَ معَ قرينةٍ تُعَيِّنُ المحذوفَ، ويُسَمَّى إيجازَ حذْفٍ؛ لحصولِه بحذْفِ شيءٍ من الكلامِ، فحَذْفُ الكلمةِ كحَذْفِ (لا) في قولِ امرئِ القيسِ:
فقلتُ: يمينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا ... * ولوْ قَطَعُوا رأسي لَدَيْكِ وأوصالِي