الصفحة 50 من 111

الناعمةَ في ظِلالِ الْحُمْقِ والْجَهالةِ خيرٌ من العَيْشِ الشاقِّ المعتوبِ صاحبُه في ظلالِ العقْلِ والعلْمِ، وهذا المرادُ لا يُفْهَمُ منْ ظاهِرِ الكلامِ حتَّى يُتَأَمَّلَ فيهِ ويُصَحَّحَ بتقديرِ الصفةِ في الْمِصراعِ الأوَّلِ، أيْ: والعيشُ الرَّغْدُ الناعمُ، والحالِ في الْمِصراعِ الثاني أيْ: مِمَّنْ عاشَ كَدَّا حالَ كونِه في ظلالِ العَقْلِ، معَ خَفاءِ الدَّلالةِ على هذا التقديرِ، فجاءَ الإخلالُ.

والإطنابُ، وهوَ تأديةُ المعنى بعبارةٍ زائدةٍ عنهُ معَ الفائدةِ، نحوَ: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} ، أيْ: كَبِرْتُ وشِخْتُ، فَأُورِدَتْ بدَلَهُ تلكَ العبارةُ الزائدةُ عليهِ بكثيرٍ لفائدةِ مزيدِ التقريرِ والتثبيتِ للضَّعْفِ المطلوبِ تأديتُه بهذا الكلامِ؛ لأنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ أنَّ العَظْمَ الذي هوَ عمودُ البَدَنِ وأصلُ بنائِه وَهَنَ، ثَبَتَ تساقُطِ القُوَّةِ، وتَقَرَّرَ أمْرُ الضعْفِ بالضرورةِ، ثمَّ قَرَّرَ هذا المعنى في الجملةِ الثانيةِ بطريقِ الاستعارةِ التي هيَ أحْسَنُ وأَبْلَغُ من الحقيقةِ الْمُسْتَبْذَلَةِ، وتشبيهِ الشَّيْبِ بشُوَاظِ النارِ في بياضِه وإنارتِه وانتشارِه في الشعْرِ وفُشُوِّه فيه، فإذا لمْ يكُنْ في الزيادةِ فائدةٌ سُمِّيَ تطويلًا، إنْ كانت الزيادةُ غيرَ مُتَعَيَّنَةٍ، وحَشْوًا إنْ تَعَيَّنَتْ. فالفَرْقُ بينَ الْحَشْوِ والتطويلِ تَعيينُ الزيادةِ وعدمُ ذلكَ التعيينِ، معَ اشتراكِهما في كونِ الزيادةِ بلا فائدةٍ.

فالتطويلُ نحوَ: (وأَلْفَى) ، وَجَدَ جَذِيمَةُ الأبرشُ، (قَوْلَها) ، قولَ الزُّبَاءِ، (كَذِبًا ومَيْنًا) ، وهذا في قصَّةِ قتْلِ الزُّبَاءِ لجَذِيمَةَ الأبرشِ، وهيَ معروفةٌ. فالكَذِبُ والْمَيْنُ في هذا القولِ واحدٌ ولا فائدةَ في الجمْعِ بينَهما؛ إذْ مَقَامُ هذا الكلامِ ليسَ مُقْتَضِيًا للتأكيدِ، فأحدُهما زائدٌ بلا فائدةٍ، وليسَ المزيدُ مُتَعَيَّنًا؛ لأنَّ المعنى يَصِحُّ بكلٍّ منهما، فزيادةُ أحدِهما تطويلٌ.

والْحَشْوُ نحوَ: *وأَعْلَمُ عِلْمَ اليومِ والأمسِ قَبْلَه *

فإنَّ قولَه: (قَبْلَه) ، زائدٌ لدخولِ القَبْلَيَّةِ في مفهومِ الأمْسِ، ومُتَعَيَّنٌ للزيادةِ، وليسَ كالمَيْنِ بالنِّسبةِ إلى الكَذِبِ، فيكونُ حَشْوًا.

ومِنْ دَوَاعِي الإيجازِ:

تسهيلُ الحفْظِ؛ فإنَّ حِفْظَ العِبارةِ القليلةِ أَسْهَلُ منْ حِفْظِ الكثيرةِ بالضرورةِ.

وتقريبُ الفهْمِ للمرادِ، كما في قولِه: *وسَوْرَةُ أيَّامٍ حَزَزْنَ إلى العَظْمِ *

أيْ: قَطَعْنَ اللحْمَ إلى العظْمِ. فاخْتِيرَ هذا الإيجازُ وحُذِفَ المفعولُ؛ ليَقْرُبَ فَهْمُ المرادِ، ولا يُتَوَهَّمُ إرادةُ غيرِه؛ لأنَّ المقصودَ أنَّ الْحَزَّ بَلَغَ إلى العَظْمِ، فلوْ ذَكَرَ المفعولَ، أعني اللحمَ، ? لرُبَّمَا تَوَهَّمَ السامعُ قَبْلَ ذِكْرِ ما بعدَه أنَّ الْحَزَّ لم يَنْتَهِ إلى العظمِ، وإنَّما كانَ في بعضِ اللحمِ، فحُذِفَ دَفْعًا لهذا الوهمِ وتقريبًا لفَهْمِ المرادِ.

وضِيقُ الْمَقامِ عنْ إطالةِ الكلامِ بسببِ خوفِ فواتِ فرصةٍ أوْ نحوَ ذلكَ، كقولِ الصَّيَّادِ: (غزالٌ، فاصْطَادُوهُ) ، فالحذْفُ هنا لضِيقِ الْمَقامِ بسببِ خوفِ فواتِ الفُرصةِ بالإطالةِ بذِكْرِه.

والإخفاءُ عنْ غيرِ المقصودِ سماعَهُ من الحاضِرِينَ، كما تقولُ: (جاءَ) ، وتُريدُ زيدًا؛ لقيامِ قرينةٍ عندَه دونَ غيرِه من الحاضِرِينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت