كلُّ ما يَجولُ في الصدْرِ من المعاني يُمْكِنُ أنْ يُعَبَّرَ عنه بثلاثِ طُرُقٍ، وهيَ: المساواةُ، والإيجازُ، والإطنابُ. لكِنْ يُفْهَمُ منْ بيانِ هذه الطرُقِ ثلاثُ طُرُقٍ أخرى، وهيَ: الإخلالُ، والتطويلُ، والحشْوُ.
فجملةُ طُرُقِ التعبيرِ سِتَّةٌ، إلَّا أنَّ المقبولَ منها الثلاثُ الأُوَلُ، فمرادُه بِحَصْرِ الطرُقِ في الثلاثِ حَصْرُ الطرُقِ المقبولةِ فيهِ.
ثمَّ لمَّا كانَ لا بُدَّ في ضَبْطِ كلٍّ من المساواةِ والإيجازِ والإطنابِ منْ ضَبْطِ الحدِّ الخاصِّ الذي يُقاسُ عليهِ كلُّ واحدٍ منها، فيُقالُ: ما كانَ عليهِ فهوُ مساواةٌ، وما نَقَصَ منهُ فهوَ إيجازٌ، وما زادَ عليهِ فهوَ إطنابٌ، جَعَلوا ذلكَ الحدَّ الكلامَ العُرْفِيَّ؛ لأنَّهُ أقْرَبُ الأمورِ إلى الضبْطِ، فإنَّ تفاوُتَ أفرادِه متَقَارِبٌ، ومعرفةَ مِقدارِه معَ ما فيهِ من الاختلافِ الخفيفِ مُتَيَسَّرٌ؛ فلذا بَنَى المصنِّفُ الكلامَ عليهِ فقالَ:
(( المساواةُ: وهيَ تَأْدِيةُ المعنى المرادِ الذي قَصَدَ المتكلِّمُ إفادتَه للمخاطَبِ بعبارةٍ مساوِيةٍ لهُ، بأنْ تكونَ تلكَ العبارةُ على الْحَدِّ الذي جَرَى بهِ عُرْفُ أوساطِ الناسِ، أيْ تعامَلُوا بهِ في مَجْرَى عُرْفِهم في تأديةِ المعنى التي تَعْرِضُ لهم الحاجةُ إلى تأديتِها في الحوادثِ اليوميَّةِ.
والمرادُ بأوساطِ الناسِ هم الذينَ لم يَرْتَقُوا إلى درجةِ البلاغةِ، ولم يَنْحَطُّوا إلى درجةِ الفَهَاهَةِ؛ أي العِيِّ والعجْزِ في الكلامِ، نحوَ: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} ، ففي هذا الكلامِ مساواةٌ؛ لأنَّ فيهِ تأديةَ المعنى المرادِ بعبارةٍ يَسْتَحِقُّها ذلكَ المعنى في مَجْرَى العُرْفِ منْ غيرِ زيادةٍ ولا نُقْصَانٍ؛ إذْ لمْ يُوجَدْ في الْمَقامِ ما يَقتضِي العُدولَ عنها.
والإيجازُ: وهوَ تأديةُ المعنى المرادِ بعبارةٍ ناقصةٍ عنه، بأنْ تكونَ أقلَّ من الْحَدِّ الذي جَرَى بهِ عُرْفُ أوساطِ الناسِ معَ وفائِها بالغَرَضِ، والمرادُ بوفائِها بالغَرَضِ أنْ تكونَ دَلالتُها على ذلكَ الغَرَضِ معَ نُقصانِ اللفظِ واضحةً في تراكيبِ البُلَغَاءِ، نحوَ:
* قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حبيبٍ ومَنْزِلِ *
فهذا الكلامُ معَ كونِه ناقصَ العبارةِ؛ لأنَّ الأصلَ: (مِنْ ذكرى حبيبِنا ومَنْزِلِه) ، ظاهِرُ الدَّلالةِ على المرادِ؛ لأنَّ سَوْقَ الكلامِ في أَمثالِ هذا الموضِعِ يَدُلُّ دَلالةً واضحةً على حَذْفِ المضافِ إليه. فإذا لمْ تَفِ بالغَرَضِ بأنْ يكونَ اللفظُ ناقصًا معَ خفاءِ الدَّلالةِ على ذلكَ الغَرَضِ بحيثُ يُحتاجُ فيها إلى تَكَلُّفٍ وتَعَسُّفٍ، سُمِّيَ إخلالًا؛ لكونِه مُخِلًّا في فَهْمِ المرادِ، كقولِه:
(والعَيْشُ خيرٌ في ظِلالِ) ، جَمْعِ ظُلَّةٍ، وهيَ ما يُتَظَلَّلُ بهِ، (النُّوكِ) ، بالضَّمِّ الْحُمْقُ والْجَهَالَةُ، وإضافةُ الظِّلالِ إلى النُّوكِ منْ إضافةِ الْمُشَبَّهِ بهِ إلى الْمُشَبَّهِ، (مِمَّنْ عاشَ كَدَّا) ، أيْ مِنْ عَيْشِ مَنْ عاشَ مَكْدودًا مَتْعُوبًا، فظاهِرُه يُفيدُ أنَّ العَيشَ ولوْ بالنَّكَدِ والتَّعَبِ معَ الْحُمْقِ خيرٌ من العَيْشِ النَّكِدِ والشاقِّ ولوْ معَ العَقْلِ، وهوَ غيرُ صحيحٍ؛ لاستوائِهما في النَّكَدِ، وزيادةِ الثاني بالعقْلِ الذي منْ شأنِه التَّوْسِعَةُ وإطفاءُ بعضِ نَكِدَاتِ العيشِ، فلا يكونُ هذا المعنى مرادَ الشاعرِ، بلْ مرادُهُ أنَّ العَيْشَ الرَّغْدَ والمعيشةَ