الصفحة 48 من 111

مرادُه الإخبارُ عنْ ظنِّها أنِّني أَبْغِي بها بَدَلًا، والإِخبارُ عنْ ظَنِّ نفسِه أنَّها تُخْطِئُ في ظَنِّها بي هذا الظَّنَّ، وَتَهِيمُ وتَذْهَبُ بسببِ هذا الظنِّ في أَوديةِ الضَّلالِ. ويُقالُ: بينَ الجملتينِ في هذا الْمَوْضِعِ شِبْهُ كمالِ الانقطاعِ؛ لتَحَقُّقِ المشابَهَةِ بينَهُ وبينَ كمالِ الانقطاعِ في كَوْنِ الجملتينِ متغايرتينِ معَ وجودِ المانِعِ من العَطْفِ، إلَّا أنَّ المانِعَ في صورةِ كمالِ الانقطاعِ هوَ التبايُنُ التامُّ أوْ عَدَمُ وجودِ المناسَبَةِ، وههنا المانِعُ هوَ إيهامُ غيرِ المرادِ.

الخامسُ، ألَّا يُقْصَدَ تشريكُ الجملتينِ في الحكْمِ: أيْ تشريكُ الجملةِ الثانيةِ للجملةِ الأُولَى في حكْمِها الإعرابيِّ الذي لها، مِثلَ كونِها خبرَ مبتدأٍ أوْ صفةً أوْ مفعولًا أوْ نحوَ ذلكَ، أوْ في قيدٍ زائدٍ على مفهومِها مثلَ الظرْفِ والشرْطِ ونحوَهما؛ لقيامِ مانعٍ منْ ذلكَ التشريكِ، كقولِه تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} ، فجملةُ {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} لا يَصِحُّ عَطْفُها على {إِنَّا مَعَكُمْ} ؛ لاقتضائِه أنَّهُ منْ مقولِهم، لأنَّهُ يَلْزَمُ حينئذٍ تشريكُ جملةِ {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} لجملةِ {إِنَّا مَعَكُمْ} في كونِها مفعولَ قالوا، فيَلْزَمُ أنْ تكونَ هيَ أيضًا مقولةَ قولِ المنافقينَ، وليسَ كذلكَ، ولا على جملةِ قالوا؛ لاقتضائِه أنَّ استهزاءَ اللَّهِ بهم مُقَيَّدٌ بحالِ خُلُوِّهِمْ إلى شياطينِهم؛ لأنَّ جملةَ قالوا مُقَيَّدٌ بظرْفٍ هو وإذا خَلَوْا، بمعنى أنَّهُ إنَّما يقولونَ: إنَّا معكم، في حالِ خُلُوِّهم إلى شياطينِهم لا في حالِ وجودِ أصحابِ النَبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ، فلوْ عَطَفْتَ على هذه الجملةِ جملةَ {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} لزِمَ تشريكُها لها في كونِها مُقَيَّدَةً بذلكَ الظرْفِ، فيَلْزَمُ أنْ يكونَ استهزاءُ اللَّهِ بهم أيضًا مُخْتَصًّا بحالِ خُلُوِّهِمْ إلى شياطينِهم، معَ أنَّ استهزاءَ اللَّهِ بهم دائمٌ غيرُ مُقَيَّدٍ بحالِ الخلودِ. ويُقالُ: بينَ الجملتينِ في هذا الموْضِعِ تَوَسُّطٌ بينَ الكمالَيْنِ، أيْ بينَ كمالِ الانقطاعِ وكمالِ الاتِّصالِ؛

لأنَّ الجملةَ الثانيةَ في هذا الموْضِعِ لا تكونُ مُتَّحِدَةً معَ الجملةِ الأُولَى بأنْ تكونَ بَدَلًا منها أوْ بيانًا لها أوْ مُؤَكِّدَةً لها كما في كمالِ الاتِّصالِ، ولا مُبَايِنَةً عنها بأنْ تكونَ مخالِفةً لها في الْخَبَرِيَّةِ والإنشائيَّةِ، أوْ لمْ يُوجَدْ بينَها وبينَ الجملةِ الأُولى مناسَبةٌ في المعنى كما في كمالِ الانقطاعِ، بلْ هيَ معَ كونِها مغايِرةً للجملةِ الأُولى في المفهومِ والمقصودِ تكونُ موافِقةً لها في الخبريَّةِ، وتُوجدُ بينَها وبينَ الجملةِ الأولى مناسَبةٌ وجهةٌ جامعةٌ أيضًا، فلا تكونُ فيها بالنِّسبةِ إلى الجملةِ الأولى كمالُ الاتِّصالِ ولا كمالُ الانقطاعِ، بلْ هيَ بَيْنَ بَيْنَ؛ فلذا يقالُ ههنا: إنَّ بينَ الجملتينِ توَسُّطًا بينَ الكمالَيْنِ. ولهذا الوجهِ بعينِه يُقالُ في الموضِعِ الأوَّلِ من الوَصْلِ أيضًا: إنَّ بينَ الجملتينِ تَوَسُّطًا بينَ الكمالَيْنِ، إلَّا أنَّ الحكْمَ قد اخْتَلَفَ في هاتينِ الصورتينِ للتوسُّطِ؛ لوجودِ مانعٍ من العَطْفِ ههنا وعدمِه هناكَ، كما قال في الحاشيةِ: كما يُقالُ: بينَ الجملتينِ في الموْضِعِ الأوَّلِ إلخ.

فعُلِمَ منْ هذا البيانِ أنَّ الأحوالَ التي بينَ الجملتينِ خمسةٌ:

كمالُ الانقطاعِ وشِبْهُهُ، وكمالُ الاتِّصالِ وشِبْهُهُ، والتوسُّطُ بينَ الكمالَيْنِ. وما ذكَرَهُ منْ صورَتَيْ وجوبِ الوصْلِ ليسَ خارجًا عنْ هذه الخمسةِ، والأصْلُ في الأربعةِ الأولى الفصْلُ، وفي الخامسةِ الوصْلُ، لكنَّ الحكْمَ قدْ يَختلِفُ لوجودِ المانعِ من الفَصْلِ أو الوصْلِ.

البابُ الثامنُ في الإيجازِ والإطنابِ والْمُسَاواةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت