نُزَاوِلُها) بالرفْعِ لا بالجزْمِ، جوابًا للأمْرِ، أيْ نحاوِلُ أَمْرَ الحرْبِ وَنُعَالِجُهَا، (فَحَتْفُ كلِّ امْرِئٍ يَجْرِي بِمِقْدَارِ) ، الفاءُ في قولِه: فحَتْفُ، للتعليلِ، أيْ: لا تخافوا بمحاولةِ الحرْبِ من الْحَتْفِ والموتِ؛ لأنَّ حتفَ كلِّ امرئٍ إلخ. فقولُه: أَرْسُوا، في هذا الشِّعْرِ جملةٌ إنشائيَّةٌ لَفْظًا ومَعْنًى، وقولُه: نُزَاوِلُها، جملةٌ خبريَّةٌ، وبينَهما تَبايُنٌ تامٌّ؛ فلذا لم تُعْطَف الثانيةُ على الأُولَى. أوْ بأنْ لا يكونَ بينَهما مناسَبَةٌ في المعنى معَ كونِهما غيرَ مختلِفَيْنِ خَبَرًا وإنشاءً، كقولِك: عليٌّ كاتبٌ، الحمامُ طائرٌ. فإنَّهُ لا مُناسَبَةَ في المعنى بينَ كتابةِ عليٍّ وطَيَرَانِ الحمامِ، لا باعتبارِ المسنَدِ إليه، ولا باعتبارِ المسنَدِ، معَ أنَّهُما مُتَّفِقَانِ خَبَرًا. ويُقالُ في هذا الموضِعِ: إنَّ بينَ الجملتينِ كمالَ الانقطاعِ، أيْ كمالَ الانقطاعِ بلا إيهامٍ؛ فإنَّ الموضعَ الثاني من الوَصْلِ أيضًا يُقالُ فيهِ: إنَّ بينَ الجملتين كَمَالَ الانقطاعِ، لكنْ يُقالُ: فيهِ كمالُ الانقطاعِ معَ الإيهامِ، كما قالَ في الحاشيةِ: كما يُقالُ إلخ. فاختلافُ الحكْمِ بينَ هذينِ الكمالَيْنِ بوجوبِ الوصْلِ في أحدِهما والفَصْلِ في الآخَرِ بسببِ إيهامِ خِلافِ المرادِ عندَ الفصْلِ وعدمِه.
الثالثُ: كونُ الجملةِ الثانيةِ جوابًا عنْ سؤالٍ نَشَأَ من الجملةِ الأُولى، فتُفْصَلُ الثانيةُ عن الأُولَى كما يُفْصَلُ الجوابُ عن السؤالِ، كقولِه: (زَعَمَ العواذِلُ) ، جمْعُ عاذِلَةٍ، لكنَّ المرادَ بها جماعةٌ عاذِلةٌ من الذكورِ بقرينةِ قولِه: صَدَقُوا، بضميرِ الذكورِ، (أَنَّنِي في غَمْرَةٍ) ، أيْ: شِدَّةٍ، (صَدَقُوا ولكِنْ غَمْرَتِي لَا تَنْجَلِي) ، أيْ: لا تَنْكَشِفُ. والمعنى أنِّي كما قالوا، ولكنْ غَمْرَتِي ليستْ كغيرِها من الغَمْرَاتِ؛ فإنَّها غالبًا تَنْجَلِي، وغَمْرَتِي لا تَنْجَلِي، ولا مَطْمَعَ لي في فَلَاحِي. فقولُه: صَدَقوا، جوابُ سؤالٍ مُقَدَّرٍ كأنَّهُ قِيلَ: أَصَدَقُوا في زَعْمِهِم أمْ كَذَبُوا؟ فقالَ في الجوابِ: صَدَقُوا. ويُقَالُ في هذا الموضِعِ: بينَ الجملتينِ شِبْهُ كمالِ الاتِّصالِ؛ لأنَّ اتِّصالَ الجوابِ بالسؤالِ ليسَ كاتِّصالِ الأقسامِ الثلاثةِ منْ كمالِ الاتِّصالِ، أيْ: البدَلِ وعطْفِ البيانِ والتأكيدِ معَ مَتْبوعاتِها؛ لكونِها مُتَّحِدَةً معها، بخلافِ الجوابِ بالنِّسبةِ إلى السؤالِ؛ فإنَّهُ مُغايِرٌ لهُ، لكنَّهُ شبيهٌ باتِّصالِ هذه الأقسامِ في أنَّ الجملةَ الْأُولى في هذه الأقسامِ كما هيَ مُسْتَتْبَعَةٌ للثانيَةِ، ولا تُوجَدُ الثانيةُ بدونِ الأُولى، كالسؤالِ مُسْتَتْبَعٍ للجوابِ، والجوابُ لا يُوجَدُ بدونِ السؤالِ؛ فلذا يُقالُ لهذا الاتِّصالِ: شبْهُ كَمالِ الاتِّصالِ.
الرابعُ: أن تُسْبَقَ جملةٌ بجملتينِ يَصِحُّ عَطْفُها على إحداهما لوجودِ المناسَبَةِ، وفي عطفِها على الأخرى فسادٌ، فيُتْرَكُ العطْفُ دفْعًا للوَهْمِ، أيْ دَفْعًا لوَهْمِ عطْفِها على الأخرى الْمُوجِبِ للفسادِ في المعنى، كقولِه:
وتَظُنُّ سَلْمَى أنَّنِي أَبْغِي بها * بَدَلًا أُرَاها في الضَّلالِ تَهِيمُ
فجملةُ أُراها يَصِحُّ عطْفُها على جملةِ تَظُنُّ؛ لوجودِ المناسَبةِ بينَ هاتينِ الجملتيْنِ، وهيَ الاتِّحادُ بينَ مُسْنَدَيْهِما لكونِ أرى بمعنى أَظُنُّ، وشِبْهِ التضايُفِ بينَ الْمُسنَدِ إليه في الأُولى، وبينَهُ في الثانيةِ؛ فإنَّ المسنَدَ إليه في الأُولى سَلْمَى، وهيَ محبوبةٌ، وفي الثانيةِ الضميرُ الْمُسْتَتِرُ في أُرَى العائدِ إلى الشاعِرِ المتكلِّمِ، وهوَ مُحِبٌّ، فيَتَوَقَّفُ تَعَقُّلُ كلٍّ منهما على تَعَقُّلِ الآخَرِ باعتبارِ وصْفِ المحبوبيَّةِ والْمُحِبِّيَّةِ، فبينَ الجملتينِ مناسَبَةٌ باعتبارِ الْمُسْنَدَيْنِ والْمُسْنَدِ إليهما، فلوْ عَطَفَ جملةَ أُراها على جملةِ تَظُنُّ سَلْمَى لكانَ صحيحًا وموافِقًا لِمُرادِ الشاعِرِ؛ إذ المعنى حينئذٍ أنَّ سَلْمَى تَظُنُّ كذا وأَظُنُّها كذا، لكنْ يَمْنَعُ منْ هذا العطْفِ تَوَهُّمُ العطْفِ على جملةِ أَبْغِي بها، فتكونُ الجملةُ الثالثةُ، وهيَ جملةُ أُراها أيضًا منْ مَظنوناتِ سَلْمَى، ويكونُ معنى الشِّعْرِ الإخبارَ بظَنِّ سَلْمَى أنَّها تَظُنُّنِي موصوفًا بوَصْفَيْنِ؛ أَحَدُهما أنِّي أَبْغِي وَأَطْلُبُ بها بَدَلًا، والآخَرُ أنِّي أَظُنُّها أنَّها تَهِيمُ في أَوْدِيَةِ الضلالِ، معَ أنَّهُ ليسَ مرادًا للشاعِرِ، بلْ