ههنا بعَطْفِ الجملةِ الثانيةِ على الجملةِ الْمُقَدَّرَةِ؛ لأنَّهُ لوْ لمْ تُعْطَفْ وقيلَ: لا شَفَاهُ اللَّهُ، لَتُوُهِّمَ أنَّ هذا الكلامَ دعاءٌ على المريضِ بنفيِ الشفاءِ، معَ أنَّ المقصودَ هوَ الدعاءُ لهُ بالشفاءِ كما قال. فتَرْكُ الواوِ يُوهِمُ الدعاءَ عليه، وغَرَضُكَ الدعاءُ لهُ، فوَجَبَ العطْفُ ههنا لِدَفْعِ هذا الإيهامِ.
(مواضعُ الفَصْلِ)
يَجِبُ الفَصْلُ في خمسةِ مواضعَ:
الأوَّلُ، أنْ يكونَ بينَ الْجُملتينِ اتِّحادٌ تامٌّ، بأنْ تكونَ الثانيةُ بَدَلًا من الأُولَى، وهذا إنَّما يكونُ إذا كانت الجملةُ الأُولَى غيرَ وافيةٍ بتمامِ المرادِ؛ لكونِها مُجْمَلَةً أوْ خَفِيَّةَ الدِّلالةِ، وكانَ الْمَقامُ يَقْتَضِي اعتناءً بشأنِ المرادِ؛ إذ لا بُدَّ حينئذٍ لإتمامِ المرادِ وإيفائِه من الإتيانِ بالبَدَلِ الوافي بتمامِ المرادِ كمالَ الوفاءِ، نحوَ قولِه تعالى حِكايةً عنْ قولِ نبيِّه هودٍ على نبيِّنا وعليهِ السلامُ لقومِه: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيونٍ} ، فإنَّ المرادَ منْ هذا القولِ التنبيهُ على نِعَمِ اللَّه تعالى، والْمَقَامُ يَقْتَضي اعتناءً واهتمامًا بشأنِ ذلكَ التنبيهِ؛ لكونِه ذريعةً للتَّشَكُّرِ الذي هوَ مَبْدَأٌ لكلِّ خيرٍ وطاعةٍ، والجملةُ الْأُولَى لكونِها دالَّةً على تلكَ النِّعَمِ إجمالًا، ولإحالةِ تفصيلهِا على علْمِ المخاطَبِينَ المعانِدِينَ بكفرِهم، غيرُ وافيةٍ بتمامِ هذا المرادِ الذي هوَ التنبيهُ على نِعَمِه تعالى، فَأُورِدَتْ جملةٌ ثانيةٌ بطريقِ الْبَدَلِ منها، وفُصِّلَتْ فيها النِّعَمُ، وسُمِّيَتْ أنواعُها منْ غيرِ إحالةٍ على عِلْمِهم؛ لتكونَ وافيةً بتأديةِ المرادِ كمالَ الوفاءِ.
أوْ بأنْ تكونَ بيانًا لها، وهذا إذا كانَ في الجملةِ الأولى خَفَاءٌ، وقُصِدَ بالثانيةِ إيضاحُها وإزالةُ ذلكَ الخفاءِ، نحوَ: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ} . ففي الجملةِ الأُولى، أيْ قولِه تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ} ، خفاءٌ؛ إذْ لمْ تُبَيَّنْ فيها تلكَ الوسوسةُ، فأُورِدَت الجملةُ الثانيةُ، وهيَ قولُه تعالى: {قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} ، لبيانِ تلكَ الوسوسةِ وإيضاحِها.
أوْ بأنْ تكونَ مؤكِّدةً لها تأكيدًا مَعْنَويًّا، بأنْ يَخْتَلِفَ مفهومُهما، ولكنْ يَلْزَمُ مِنْ تَقَرُّرِ معنى إحداهما تَقَرُّرُ معنى الأخرى. أوْ تأكيدًا لَفْظيًّا، بأنْ يكونَ مضمونُ الثانيةِ مضمونَ الأولى، فيُؤْتَى بالثانيةِ بعدَ الأُولَى ليُقَرَّرَ ذلكَ المضمونُ في ذِهْنِ السامعِ بحيثُ لا يُتَوَهَّمُ فيهِ الغَلَطُ والسهوُ، نحوَ: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} ، فالجملةُ الثانيةُ ههنا تأكيدٌ لفظيٌّ للجملةِ الأولى لكونِ الثانيةِ مُقَرِّرَةً للأولى معَ كونِهما مُتَّفِقَتَيْنِ في المعنى، فوِزَانُ الجملةِ الثانيةِ وِزَانُ زيدٍ الثاني في قولِنا: جاءَ زيدٌ زيدٌ، ويُقالُ في هذا الموْضِعِ: إِنَّ بينَ الجملتينِ كمالَ الاتِّصالِ.
الثاني: أنْ يكونَ بينَ الجملتينِ تَبايُنٌ تامٌّ، بأنْ يَخْتَلِفا خبرًا وإِنشاءً، كقولِه: (وقال رائدُهم) ، وهوَ الذي يَتَقَدَّمُ القومَ لطَلَبِ الماءِ والكلأِ، والمرادُ بهِ ههنا عَرِيفُ القومِ، أي الشجاعُ الْمِقدامُ منهم، (أَرْسُوا) ، أيْ: أَقِيمُوا بهذا المكانِ الملائِمِ للحرْبِ، (