الصفحة 45 من 111

الوصْلُ عطْفُ جملةٍ على أُخْرَى، والفصْلُ تَرْكُه: هذا ليسَ تعريفًا للوصْلِ والفَصْلِ مُطْلَقًا، بلْ لنوعٍ منهما، وهوَ الواقعُ في الْجُمَلِ. وإنَّما خَصَّ الكلامَ ببيانِ هذا النوعِ من الوَصْلِ والْفَصْلِ؛ لأنَّ فيهِ منْ زيادةِ الغُموضِ والبحثِ ما ليسَ فيما يَقَعُ في الْمُفردَاتِ وما يَجْرِي مَجْرَاها؛ لأنَّهُ في الغالِبِ واضحٌ.

والكلامُ ههنا قاصِرٌ على العَطْفِ بالواوِ؛ لأنَّ العطْفَ بغيرِها لا يَقَعُ فيهِ اشتباهٌ: وذلكَ لأنَّ ما سِوَى الواوِ منْ حروفِ العَطْفِ لها معانٍ مُحَصَّلَةٌ سوى الاشتراكِ، فبالعَطْفِ بها يَحْصُلُ معاني تلكَ الحروفِ فتَظْهَرُ فائدةٌ تُغْنِي عنْ طَلَبِ خُصوصيَّةٍ أخرى جامعةٍ بينَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ. بخلافِ الواوِ فإنَّها لا تُفيدُ إلَّا مُجَرَّدَ الاشتراكِ، وهذا إنَّما يَظْهَرُ فيما لهُ حُكْمٌ إعرابيٌّ، أمَّا في غيرِه فيَحتاجُ إلى الجهةِ الخاصَّةِ التي تَجْمَعُ الْجُمْلَتينِ وَتُقَرِّبُ إِحْدَيْهِما إلى الأُخرى. واستخراجُ تلكَ الجهةِ الجامعةِ لا يَخْلُو عنْ إشكالٍ واشتباهٍ.

ولكلٍّ من الوَصْلِ بها والْفَصْلِ مواضعُ.

(مواضِعُ الوصْلِ بالواوِ)

يَجِبُ الوَصْلُ في مَوْضِعَيْنِ: الْأَوَّلُ، إذا اتَّفَقَتِ الجملتانِ خَبَرًا أوْ إِنْشَاءً، وكانَ بينَهما جهةٌ جامعةٌ، أيْ مناسَبَةٌ تامَّةٌ، باعتبارِ كلٍّ من الْمُسْنَدِ إليه والمسْنَدِ من الجملتينِ، بأنْ يَتَحَقَّقَ بينَ المسْنَدِ إليه في الجملةِ الأولى وبينَه في الجملةِ الثانية جامعٌ، وكذا بينَ المسنَدِ في الأولى وبينَه في الثانيةِ، حتَّى لوْ وُجِدَ بينَ المسْنَدِ إليهما دونَ الْمُسْنَدَيْنِ، أوْ بينَ الْمُسْنَدَيْنِ دون الْمُسْنَدِ إليهما، لمْ يَكْفِ في قَبولِ العطْفِ؛ ولذا حَكَمُوا بامتناعِ نحوَ: خُفِّي ضَيِّقٌ، وخَاتَمِي ضَيِّقٌ، معَ اتِّحادِ الْمُسْنَدَيْنِ؛ لعَدَمِ المناسَبَةِ والعَلاقةِ الخاصَّةِ بينَ الْخُفِّ والخاتَمِ، ولم يكُنْ معَ تلكَ المناسَبَةِ التامَّةِ مانعٌ من العَطْفِ، ككوْنِ عطْفِ جملةٍ على جملةٍ يَصِحُّ عليها العَطْفُ مُوهِمًا لعَطْفِها على جملةٍ لا يَصِحُّ عليها العَطْفُ، فحينئذٍ يُتْرَكُ العطْفُ. وإنْ كانت الجملتانِ متَّفِقَتَيْنِ خبرًا أوْ إنشاءً، ووُجِدَتِ الجِهَةُ الجامعةُ بينَهما كما سَيَتَّضِحُ من الْمِثالِ الآتي في الْمَتْنِ، نحوَ: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} ، فهاتانِ جُملتانِ مُتَّفِقَتانِ خَبَرًا، وبينَهما جهةٌ جامعةٌ بينَ الْمُسْنَدَيْنِ والمسنَدِ إليهما جميعًا؛ لأنَّ الأبرارَ ضِدُّ الْفُجَّارِ، والكونَ في النعيمِ ضِدُّ الكونِ في الجحيمِ، ومعَ ذلكَ ليسَ بينَهما ما يَمْنَعُ من العَطْفِ، وكذا نحوَ: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} ، جملتانِ اتَّفَقَتا إنْشاءً، ووُجِدَ الجامعُ بينَهما، وهوَ اتِّحادُ الْمُسْنَدِ إليه فيهما، وتَنَاسُبُ الْمُسْنَدَيْنِ لِمَا بينَ الضَّحِكِ والبكاءِ من التَّضَادِّ معَ عَدَمِ وجودِ مانعٍ من الْعَطْفِ، وإنَّما اعْتَبَرَ التَّضَادَّ جهةً جامعةً لأنَّ التَّضَادَّ عندَ الوَهْمِ كالتضايُفِ عندَ العقلِ، فكما لا يَنْفَكُّ أحدُ الْمُتَضايِفَيْنِ عن الآخَرِ عندَ العقلِ كذلكَ لا يَنْفَكُّ أحدُ الْمُتَضَادَّيْنِ عن الآخَرِ عندَ الوَهْمِ؛ ولذلكَ الارتباطِ الوهميِّ تَجِدُ الضِّدَّ أقْرَبَ خُطُورًا بالبالِ معَ الضِّدِّ الآخَرِ منْ سائرِ المغايِراتِ الغيرِ المتضادَّةِ بعضُها معَ بعضٍ.

الثانِي: إذا أَوْهَمَ تَرْكُ العَطْفِ خلافَ المقصودِ، كما إذا قُلْتَ: لا وشَفاهُ اللَّهُ، جوابًا لمَنْ يَسْأَلُكَ: هلْ بَرِئَ عليٌّ من الْمَرَضِ؟ فقولُك: لا، نفيٌ لمضمونِ المسئولِ عنْهُ، أيْ ما بَرِئَ عليٌّ من الْمَرَضِ، وقولُك: شفاهُ اللَّهُ، دعاءٌ بالشفاءِ له، فكلمةُ لا تَضَمَّنَتْ جملةً خَبَرِيَّةً، وشفاهُ اللَّهُ جملةٌ إنشائيَّةٌ، فبينَهما كمالُ الانقطاعِ، وهوَ سببٌ للفَصْلِ وتَرْكِ العطْفِ، لكنْ وَجَبَ الوَصْلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت