ثمَّ إنَّما خَصَّ هذا الانقسامَ بالقَصْرِ الإضافيِّ؛ لأنَّ هذا التقسيمَ لا يَجْري في القَصْرِ الحقيقيِّ؛ إذ المخاطَبُ العاقلُ لا يَعْتَقِدُ اتِّصافَ أمْرٍ بجميعِ الصفاتِ حتَّى يَصِحَّ قَصْرُ إفرادٍ قَصْرًا حقيقيًّا، ولا اتِّصافَه بجميعِ الصفاتِ غيرِ صفةٍ واحدةٍ حتَّى يَقْلِبَ المتكلِّمُ حكْمَه ويَتَحَقَّقُ قَصْرُ القلْبِ. وهكذا لا يَتَرَدَّدُ بينَ الاتِّصافِ بجميعِ الصفاتِ غيرِ صفةٍ واحدةٍ، وبَيَّنَ الاتِّصافِ بتلكَ الصفةِ الواحدةِ حتَّى يَتَصَوَّرَ قَصْرَ تعيينٍ. وهذا في القَصْرِ الحقيقيِّ منْ جانبِ الموصوفِ على الصفةِ. وكذا لا يَعتَقِدُ العاقِلُ اشتراكَ صفةٍ بينَ جميعِ الأمورِ، ولا اشتراكَها بينَ كلِّ الأمورِ سوى أمْرٍ واحدٍ، ولا يَتَرَدَّدُ بينَ ذلكَ حتَّى يَجْرِيَ أنواعُ القَصْرِ الحقيقيِّ منْ جانبِ الصفةِ على الموصوفِ، هكذا قالوا.
وللقَصْرِ، سواءٌ كانَ حقيقيًّا أوْ غيرَهُ، طُرُقٌ: أيْ أسبابٌ لفظيَّةٌ تُفيدُهُ منها:
النفيُ بأداةٍ منْ أدواتِه، كـ ليسَ، وما، وإنْ، وغيرِها منْ أدواتِ النفيِ.
والاستثناءُ بإلَّا وغيرِها منْ إحدى أخواتِها، نحوَ: {إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} ، في قَصْرِ الموصوفِ على الصفةِ.
ومنها إنَّما، نحوَ: إنَّما الفاهِمُ عليٌّ، في قَصْرِ الصفةِ على الموصوفِ.
والفرْقُ بينَ إنَّما وبينَ النفيِ والاستثناءِ، معَ كونِ إنَّما مُتَضَمِّنَةً لمعناهما، أنَّ الأصْلَ في إنَّما أنْ تُستعمَلَ في الحكْمِ الذي منْ شأنِه أنْ لا يَجهلَهُ المخاطَبُ ولا يُنْكِرَه، بخلافِ النفيِ والاستثناءِ فإنَّ الأصلَ فيهما أنْ يكونَ ما اسْتُعْمِلَا فيهِ مِمَّا يَجْهَلُه المخاطَبُ ويُنْكِرُه.
ومنها العطْفُ بلا أوْ بلْ أوْ لكِنْ دونَ سائرِ حروفِ العطْفِ، نحوَ: أنا ناثِرٌ لا ناظِمٌ، وما أنا حاسِبٌ بلْ كاتبٌ. وإنَّما لم يَذْكُرْ مثالَ لكِنْ لكونِها مِثلَ لا في إفادةِ الْقَصْرِ.
ومنها تقديمُ ما حَقُّهُ التأخيرُ: كتقديمِ الخبرِ على المبتدأِ إذا لمْ يكُن المبتدأُ نَكِرَةً، وتقديمِ معمولاتِ الفعْلِ عليهِ بخلافِ ما وَجَبَ تقديمُه لصَدَارتِه كأيْنَ ومتى، أوْ لإفادتِه التخصيصَ في النَّكِرَةِ المؤخَّرَةِ كتقديمِ الخبرِ على المبتدأِ إذا كانَ المبتدأُ نَكِرَةً، نحوَ: في الدارِ رَجُلٌ؛ فإنَّ تقديمَه لا يُفيدُ الْحَصْرَ، نحوَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، فتقديمُ المفعولِ ههنا للدَّلالةِ على الْحَصْرِ، ولذا قيلَ معناهُ: نَعْبُدُكَ ولا نَعْبُدُ غيرَكَ.
البابُ السابعُ في الوَصْلِ والْفَصْلِ