والإضافيُّ ما كانَ الاختصاصُ فيهِ بحسَبِ الإضافةِ إلى شيءٍ مُعَيَّنٍ بأنْ لا يَتَجَاوَزَ إلى ذلكَ الشيءِ، وإنْ تَجَاوَزَ إلى غيرِه من الأشياءِ، نحوَ: ما عليٌّ إلَّا قائمٌ، أيْ أنَّ لهُ صفةَ القيامِ لا صفةَ القعودِ، فالغَرَضُ أنَّهُ لا يَتجاوَزُ القيامَ إلى القُعُودِ، وليسَ الغرَضُ نفيَ جميعِ الصفاتِ عنهُ ما عدا صفةَ القيامِ، وإلَّا كانَ القصْرُ حقيقيًّا لا إضافيًّا. وكلٌّ منهما يَنْقَسِمُ إلى:
قَصْرِ صفةٍ على موصوفٍ: وهوَ أنْ يَحْكُمَ بأنَّ هذهِ الصفةَ لا تَتجاوَزُ هذا الموصوفَ إلى موصوفٍ آخَرَ، أيَّ موصوفٍ كانَ، وهذا في القَصْرِ الحقيقيِّ. أوْ إلى موصوفٍ مُعَيَّنٍ، وهذا في القصْرِ الإضافيِّ. وإنْ كانَ الموصوفُ يَتجاوزُها إلى غيرِها من الصفاتِ نحوَ: لا فارسَ إلَّا عليٌّ، فقدْ حُكِمَ فيهِ بقَصْرِ صفةِ الفارسيَّةِ على عليٍّ بحيثُ لا يَتجاوَزُه إلى غيرِه، ولا يَقْتَضِي ذلكَ أنَّ عَلِيًّا لا يَتَجاوَزُ الفارسيَّةَ إلى غيرِها من الصفاتِ كالشجاعةِ والسخاوةِ وغيرِهما.
وقصْرِ موصوفٍ على صفةٍ: وهوَ أنْ يُحْكَمَ بأنَّ هذا الموصوفَ لا يَتجاوَزُ هذه الصفةَ إلى صِفَةٍ أُخرى مُطْلَقَةٍ، وهوَ في القَصْرِ الحقيقيِّ. أوْ مُعَيَّنَةٍ، وهوَ في القَصْرِ الإضافيِّ، لكِنْ يَجوزُ أنْ تكونَ تلكَ الصفةُ لموصوفٍ آخَرَ، نحوَ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} ، فقَصَرَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصلاة والسلامُ على وَصْفِ الرسالةِ قَصْرًا إضافيًّا بالنسبةِ إلى صفةِ الخلودِ في الدنيا، والبُعْدِ عن الموتِ، فلا يَتجاوَزُ هوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى هذهِ الصفةِ، فيَجوزُ عليهِ الموتُ وإنْ كانت الرسالةُ تَتجاوَزُ إلى غيرِه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ من الرُّسُلِ عليهم السلامُ.
والقَصْرُ الإضافيُّ يَنْقَسِمُ باعتبارِ حالِ المخاطَبِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
قصرُ إفرادٍ: إذا اعْتَقَدَ المخاطَبُ الشرِكَةَ، أيْ شرِكةَ صِفَتَيْنِ في موصوفٍ واحدٍ في قَصْرِ الموصوفِ على الصفةِ، وشَرِكَةَ مَوْصُوفَيْنِ في صفةٍ واحدةٍ في قَصْرِ الصفةِ على الموصوفِ. ومثالُ هذا القَصْرِ في قَصْرِ الموصوفِ على الصفةِ ما مَرَّ مِنْ قولِه تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ} ، فإنَّ الْمُخاطَبِينَ وهم الصحابةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالَى عَنْهُم لَمَّا استَعْظَمُوا مَوْتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وصاروا كأنَّهُم أَثْبَتُوا لهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ صِفَتَيْنِ؛ الرسالةَ والتَّبَرِّي عن الموتِ، قَصَرَهُ عليهِ السلامُ على الرسالةِ، بمعنى أنَّهُ لا يَتَعَدَّاها إلى التَّبَرِّي من الهلاكِ. وإنَّما سُمِّيَ هذا القَصْرُ قَصْرَ إفرادٍ؛ لأنَّ الْمُتَكَلِّمَ يَنفي بهذا القَصْرِ الشرِكَةَ الْمُعْتَقَدَةَ للمخاطَبِ، ويُفْرِدُ موصوفًا بصفةٍ أوْ صفةٍ بموصوفٍ.
وقصْرُ قَلْبٍ، إذا اعْتَقَدَ العكْسَ: أيْ عَكْسَ الحكْمِ الذي أَثْبَتَهُ المتكلِّم، ُ نَفْيَ قَصْرِ الصفةِ على الموصوفِ. إذا اعْتَقَدَ المخاطَبُ أنَّ الفارِسَ حسَنٌ لا عليٌّ تقولُ: لا فارسَ إلَّا عَلِيٌّ، حَصْرًا للفارسيَّةِ في عليٍّ، ونَفْيًا لها عنْ حَسَنٍ، وتسمِيَةُ هذا القصْرِ بقَصْرِ القلْبِ؛ لأنَّ فيهِ قَلْبًا وتبديلًا لحكْمِ الْمُخاطَبِ.
وقصْرُ تعيينٍ: إذا اعْتَقَدَ واحدًا غيرَ مُعَيَّنٍ من اتِّصافِ هذا الموصوفِ بتلكَ الصفةِ أوْ بغيرِها في قَصْرِ الموصوفِ على الصفةِ، أو اتِّصافِ هذا الموصوفِ أوْ غيرِه بتلكَ الصفةِ في قَصْرِ الصفةِ على الموصوفِ حتَّى يكونَ المخاطَبُ لقولِنا: ما عليٌّ إلَّا قائمٌ، مَنْ يَعْتَقِدُ أنَّهُ إمَّا قائمٌ أوْ قاعدٌ، ولا يُعْرَفُ على التعيينِ، ولقولِنا: ما قائمٌ إلَّا عليٌّ، مَنْ يَعْتَقِدُ أنَّ القائمُ إمَّا عليٌّ أوْ حَسَنٌ، منْ غيرِ أنْ يَعْرِفَهُ مُعَيَّنًا. فلمَّا كانَ هذا القَصْرُ لتعيينِ ما هوَ غيرُ مُتَعَيَّنٍ عندَ المخاطَبِ سُمِّيَ قَصْرَ تعيينٍ.