الصفحة 42 من 111

نحوَ: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيامًا لِلنَّاسِ} ، فإنَّ البيتَ الحرامَ كما يُوَضِّحُ المتبوعُ يُشْعِرُ بكونِه موصوفًا بالْحُرْمَةِ، ومنعوتًا بتعظيمِ الاحترامِ، والمنْعِ من الانتهاكِ والامتهانِ، فهوَ عطْفُ بيانٍ جِيءَ بهِ للإيضاحِ والمدْحِ كِلَيْهِما، لا للإيضاحِ فقطْ.

ثمَّ المرادُ بتوضيحِ عطْفِ البيانِ متبوعَه أنْ يَحْصُلَ من اجتماعِهما إيضاحٌ لم يَحْصُلْ منْ أحدِهما على الانفرادٍ، سواءٌ كانَ أوْضَحَ منْ متبوعِه أوْ لا، وهذا ما قالَ. ويَكفي في التوضيحِ أنْ يُوَضِّحَ الثاني الأوَّلَ عندَ الاجتماعِ، وإنْ لمْ يكُنْ أوْضَحَ منهُ عندَ الانفرادِ، كـ عليٌّ زينُ العابدينَ، والعَسْجَدُ الذهَبُ. بلْ يَصِحُّ أنْ يكونَ المتبوعُ أوْضَحَ من التابعِ على ما صَرَّحَ بهِ ثِقَاتُ الْفَنِّ.

وعَطْفُ النَّسَقِ، أي العَطْفُ بالحرْفِ، وإنَّما سُمِّيَ بعَطْفِ النَّسَقِ؛ لأنَّ المعطوفَ فيهِ يكونُ معَ متبوعِه على نَسَقٍ واحدٍ؛ لكوْنِ كلٍّ منهما مَقصودًا بالنِّسْبَةِ، يكونُ للأغراضِ التي تُؤَدِّيها أَحْرُفُ العطْفِ، كالترتيبِ معَ التعقيبِ في الفاءِ. ومعنى التعقيبِ أنْ يُجْعَلَ المعطوفُ ملابِسًا لمدلولِ الفعلِ بعدَ ملابستِه المعطوفَ عليهِ بهِ بدونِ الْمُهْلَةِ والتراخي. ومعَ التراخِي والْمُهْلَةِ في ثُمَّ. وحتَّى مثلَ ثُمَّ في الترتيبِ بِمُهْلَةٍ، إلَّا أنَّ الْمُهْلَةَ في حتَّى أَقَلُّ منها في ثُمَّ، فهيَ مُتَوَسِّطَةٌ بينَ الفاءِ وثمَّ.

والبدلُ يكونُ لزيادةِ التقريرِ والإيضاحِ؛ لأنَّهُ يُقْصَدُ بالذكْرِ أصالةً، والْمُبْدَلُ منهُ إنَّما يُذْكَرُ تَوْطِئَةً وتمهيدًا، ولا خَفاءَ في أنَّ الذِّكْرَ بعدَ التَّوْطِئَةِ يُفيدُ زيادةَ التقريرِ والإيضاحِ، نحوَ: قَدِمَ ابني عليٌّ، في بَدَلِ الكلِّ. وسافَرَ الْجُنْدُ أغْلَبُهُ، في بدَلِ البعضِ.

ونَفَعَنِي الأستاذُ عِلْمُه، في بَدَلِ الاشتمالِ. ولم يَذْكُرْ مثالَ بَدَلِ الغلَطِ؛ لأنَّ ما ذَكَرَه منْ فائدةِ الَبَدَلِ، وهيَ زيادةُ التقريرِ والإيضاحِ، لا يَتَأَتَّى فيهِ؛ إذْ من المعلومِ أنَّ ذِكْرَ زيدٍ على سبيلِ الغَلَطِ في قولِكَ: جاءَني زيدٌ حمارٌ، ليسَ تَوْطِئَةً لذكْرِ حمارٍ، فلا يكونُ ذكْرُ البدَلِ ههنا لزيادةِ التقريرِ والإيضاحِ، ثمَّ إنَّهُ إنَّما لمْ يَتَعَرَّضْ لبيانِ فائدةِ هذا النوعِ من الْبَدَلِ، وخَصَّ الكلامَ ببيانِ فائدةِ غيرِه منْ أنواعِه؛ لأنَّهُ لا يَقَعُ في فصيحِ الكلامِ على ما قالوا.

البابُ السادسُ في القَصْرِ

الْقَصْرُ تخصيصُ شيءٍ بشيءٍ بطريقٍ مخصوصٍ: أيْ من الطُّرُقِ الآتيةِ من النفيِ والاستثناءِ وغيرِ ذلكَ. واحتَرَزَ بهِ منْ نحوَ: خَصَصْتُ زيدًا بالعلْمِ، وزيدٌ مقصورٌ على القيامِ؛ فإنَّهُ لا يُسَمَّى قَصْرًا اصطلاحًا.

ويَنْقَسِمُ إلى حقيقيٍّ وإضافيٍّ. فالحقيقيُّ ما كانَ الاختصاصُ فيهِ بحسَبِ الواقعِ، والحقيقةُ بمعنى أنَّهُ لا يَتَجَاوَزُ المُخَصَّصُ المخَصَّصُ بهِ إلى غيرِه أصْلًا في نفسِ الأمْرِ، وفي الحقيقةِ لا بحسَبِ الإضافةِ إلى شيءٍ آخَرَ كما في قَسيمِه الآتي، نحوَ: لا كاتبَ في المدينةِ إلَّا عليٌّ، إذا لمْ يكُنْ غيرُه فيها من الكُتَّابِ؛ فقدْ قَصَرْتَ الكتابةَ على عليٍّ، ونَفَيْتَهَا عنْ كلِّ ما عداهُ بحسَبِ الحقيقةِ لا بحسَبِ الإضافةِ إلى شيءٍ خاصٍّ، وإنَّما زادَ قيدُ في المدينةِ ليَقْرُبَ إلى القَبولِ، ولم يَسْتَبْعِدْ زيادةَ الاستبعادِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت