ولنْ لنفيِ الاستقبالِ نفيًا مؤَكَّدًا.
ولمْ ولَمَّا تَشْتَرِكَانِ في أنَّهُما لنفيِ الْمُضِيِّ، وتَفْتَرِقَانِ في بعضِ الأحكامِ على ما قالَ. إلَّا أنَّهُ: أيْ هذا النفيُ بلَمَّا يَنْسَحِبُ على زمنِ التكَلُّمِ، ويَجِبُ أنْ يَتَّصِلَ بحالِ النطْقِ. وأمَّا بلمْ فقدْ يَنْسَحِبُ ويَتَّصِلُ، نحوَ {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} ، وقدْ يَنْقَطِعُ، مثلَ: {لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} . وأيضًا يَخْتَصُّ هذا النفيُ بالمتوقَّعِ الحصولِ، بخلافِ لمْ فإنَّ منْفيَّها يكونُ المتوقَّعَ وغيرَه. وعلى هذا الذي ذُكِرَ من استمرارِ النفيِ بلمَّا إلى زمانِ التَّكَلُّمِ، ومنْ كوْنِ المنفيِّ بها متوقَّعَ الحصولِ، فلا يقالُ: لَمَّا يَقُمْ زيدٌ ثمَّ قامَ؛ لكونِه منافيًا للأمْرِ الأوَّلِ، فإنَّ قولَه: ثمَّ قامَ، يدُلُّ على انقطاعِ النفيِ قبلَ زمانِ التكلُّمِ، ولا يُقالُ: لَمَّا يَجْتَمِع النقيضانِ، لكوْنِه مُنافيًا للأمْرِ الثاني؛ فإنَّ المنفيَّ ههنا وهوَ اجتماعُ النقيضينِ لكونِه مستحيلًا غيرَ متوقَّعِ الحصولِ، كما يُقالُ: لمْ يقُمْ ثمَّ قامَ، ولمْ يَجْتَمِعَا، بكلمةِ لمْ فيهما؛ لكونِها لنفيِ الْمُضِيِّ مُطْلَقًا، ولعَدَمِ اختصاصِها بالمتوَقَّعِ. فلَمَّا في النفيِ تُقَابِلُ قدْ في الإثباتِ، فكما أنَّ قدْ لتقريبِ الإثباتِ إلى الحالِ، كذلكَ لَمَّا لتقريبِ النفيِ إليها، وحينئذٍ يكونُ مَنْفِيُّها قريبًا من الحالِ، فلا يَصِحُّ: لَمَّا يَجِئْ محمَّدٌ في العامِ الماضي؛ لأنَّ معنى لَمَّا يَجِئْ محمَّدٌ نفيُ مَجيئِه في الزمانِ الماضي، ولكنَّهُ قريبٌ من الزمانِ الحالِ، فقولُه: في العامِ الماضي يُنافيهِ.
وأمَّا التوابِعُ، فالتقييدُ بها يكونُ للأغراضِ التي تُقْصَدُ منها، ثمَّ لا بُدَّ لكلٍّ منها منْ فائدةٍ تَخُصُّه.
فالنعتُ يكونُ للتمييزِ: أيْ لتمييزِ الموصوفِ عمَّا عداهُ؛ حيثُ يُرادُ نفيُ تشريكِه معَ الغيرِ في الاسمِ، نحوَ: حَضَرَ عليٌّ الكاتبُ، فإنَّكَ إذا قُلْتَ: حَضَرَ عليٌّ، احْتُمِلَ أنْ يكونَ المرادُ بهِ فلانًا أوْ آخَرَ مِمَّا يَعْرِضُ لهُ الاشتراكُ في التسميةِ، وإذا قُلْتَ: الكاتبُ، خرَجَ المحتَمَلُ الآخَرُ، وتَميَّزَ ما هوَ المرادُ.
والكَشْفِ عنْ معنى الموصوفِ في مقامٍ يَقتضي التفسيرَ والتعريفَ: كجَهْلِ المخاطَبِ بحقيقةِ الموصوفِ، نحوَ: الجسمُ الطويلُ العريضُ العميقُ يَشْغَلُ حَيِّزًا من الفراغِ؛ فإنَّ هذه الأوصافَ مِمَّا يَكْشِفُ عنْ معنى الجسْمِ ويُفَسِّرُهُ.
والتأكيدِ: المرادُ بالتأكيدِ ههنا مُطْلَقُ الْمُقَرَّرِ لا المعنى الاصطلاحيُّ، وذلكَ إذا كانَ الموصوفُ مُتَضَمِّنًا لمعنى ذلكَ الوصْفِ، نحوَ قولِه تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} ، وكقولِه تعالى: {نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ} ، ومثْلَ: أمْسِ الدَّابِرُ لا يعودُ.
والمدحِ، نحوَ: حضَرَ خالدٌ الْهُمامُ.
والذمِّ، نحوَ: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} ، فحَمَّالَةَ الحطَبِ للذَّمِّ، سواءٌ قُرِئَ بالرفْعَ أو النصْبِ؛ لأنَّ قراءةَ النصْبِ على الذمِّ والشتْمِ.
والترحُّمِ، نحوَ: ارْحَمْ إلى خالدٍ الْمِسْكِينِ.
وإنَّما يكونُ الوصفُ للمدْحِ في الأوَّلِ، والذمِّ في الثاني، والترحُّمِ في الثالثِ إذا تَعَيَّنَ الموصوفُ قبلَ ذكْرِ الوصْفِ، إمَّا بأنْ لا يكونَ لهُ شريكٌ في الاسمِ، أوْ يكونَ المخاطَبُ يَعْرِفُه بعينِه قبلَ الوصْفِ، وألَّا يكونَ الوصْفُ للتمييزِ.
وعطفُ البيانِ يكونُ للإيضاحِ تَبْعَةً كما قالوا في تفسيرِه: هوَ الذي يُوَضِّحُ مَتْبُوعَهُ، لكنَّهُ قدْ يكونُ لِمُجَرَّدِ التوضيحِ بدونِ إرادةِ الْمَدْحِ، نحوَ: أَقْسَمَ باللَّهِ أبو حَفْصٍ عُمَرُ. وقدْ يُقْصَدُ بهِ معَ الإيضاحِ المدْحُ أيضًا كما قالَ، أوْ للتوضيحِ معَ المدْحِ،