وعلى ذلكَ: أيْ على كونِ أصلِ إنْ عدَمَ الجزمِ بالوقوعِ، وأصلِ إذا الجزْمَ بالوقوعِ، فالأحوالُ النادرةُ تُذْكَرُ في حَيِّزِ إنْ، والكثيرةُ في حَيِّزِ إذا؛ لكونِ النادرِ غيرَ مقطوعٍ بهِ في الغالِبِ، بخلافِ الكثيرِ فإنَّهُ يُقْطَعُ بهِ في الأكثَرِ. ومنْ ذلكَ قولُه تعالى: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} ، فلكَوْنِ مجيءِ الحسنةِ مُحَقَّقًا وكثيرَ الوقوعِ؛ إذ المرادُ بها مطلَقُ الحسنةِ الشاملِ لأنواعٍ كثيرةٍ مثلِ الْخَصْبِ والرخاءِ ونموِّ المالِ وكثرةِ الأولادِ، وغيرِ ذلكَ منْ سائرِ أنواعِ الحسناتِ كما يُفْهَمُ من التعريفِ بأل الجنسيَّةِ، فإنَّهُ يَدُلُّ على أنَّ المرادَ حقيقةُ الحسنةِ، لكِنْ لا منْ حيثُ هيَ لعَدَمِ وجودِها في الخارجِ بلْ منْ حيثُ تَحَقُّقُها في ضِمْنِ أيِّ فرْدٍ لأيِّ نوعٍ ذُكِرَ معَ إذا الدالَّةِ على الجزْمِ، وعُبِّرَ عنه بالماضي المشْعِرِ بتحقُّقِ الوقوعِ؛ لأنَّ جنْسَ الحسنةِ وقوعُه كالواجبِ لكثرتِه واتِّساعِه، ولكَوْنِ مجيءِ السيِّئَةِ نادرًا بالنسبةِ إلى الحسَنَةِ المطلَقَةِ، إذ المرادُ بها نوعٌ مخصوصٌ كما يُفْهَمُ من التنكيرِ الدالِّ على التقليلِ، وهوَ أيْ ذلكَ النوعُ المخصوصُ الجَدْبُ ذُكِرَ معَ إن الدالَّةِ على عدَمِ الجزْمِ بالوقوعِ، وعُبِّرَ عنه بالمضارِعِ المشعِرِ بعدَمِ التحقُّقِ، فإنَّ كُلًّا منهما يُناسبُه النادرُ. ففي الآيةِ مِنْ وَصْفِهِم بإنْكارِ النِّعَمِ وشدَّةِ التحامُلِ على موسى عليهِ السلامُ ما لا يَخْفَى؛ فإنَّها تَدُلُّ على أنَّ الحسنةَ كثيرةُ الدَّوْرِ فيما بينَهم، وقَطْعِيَّةُ الحصولِ بهم، وأنَّ السيِّئةَ معَ كونِها قليلةً غيرُ قَطْعِيَّةِ الوقوعِ بهم، وذلكَ منْ كمالِ فضْلِه تعالى ورحمتِه، ثمَّ هؤلاءِ الذينَ لا يشْكُرونَ اللَّهَ تعالى بلْ يَدَّعُونَ أنَّهُم أَحِقَّاءُ باختصاصِ هذه الحسناتِ، ويَنْسِبُونُ السيِّئَةَ إلى موسى عليهِ السلامُ ويَتَشَاءَمُونَ بهِ، فهُمْ أقْبَحُ الناسِ كُفْرًا، وأَسْوَؤُهُمْ إنْكارًا.
ولوْ موضوعةٌ للشرْطِ: أيْ للدَّلالةِ على استتباعِ الأوَّلِ منْ طَرَفَيْها للثانِي، وتعليقِ الثاني على الأوَّلِ في الْمُضِيِّ معَ الإشعارِ بانتفائِهما، وصدْقِ نقيضِهما في الواقعِ؛ ولذا: أيْ ولِأَجْلِ كونِهما للشرْطِ في الْمُضِيِّ يَلِيها الفِعْلُ الماضي، إذ الأصلُ في اللفظِ أنْ يَتْبَعَ المعنى كما ذَكَرَه قُبَيْلَ هذا، نحوَ: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ} ، ففيهِ تعليقٌ لأسماعِهم على عِلْمِ الخيرِ فيهم في الماضي معَ انتفائِهما في الواقعِ.
ومِمَّا تَقَدَّمَ منْ كونِ الشرطِ قَيْدًا كالمفعولِ ونحوِه يُعْلَمُ أنَّ المقصودَ بالذاتِ والمعتبَرَ في أصْلِ الإفادةِ من الجملةِ الشرطيَّةِ هوَ الجوابُ والجزاءُ. والشرطُ ليسَ مقصودًا لذاتِه بلْ إنَّما ذُكِرَ على أنَّهُ قَيْدٌ للحكْمِ فيهِ، فإذا قُلْتَ: إن اجْتَهَدَ زيدٌ أَكْرَمْتُه، فالمقصودُ بالذاتِ والمعتَبَرُ لأصلِ الإفادةِ هوَ الإخبارُ بإكرامِ زيدٍ، وأمَّا الشرطُ فهوَ قيدٌ فيهِ ليسَ بمقصودٍ لذاتِه، فكأنَّكَ كنتَ مُخْبِرًا بأنَّكَ ستُكْرِمُه، ولكنْ في حالِ حصولِ الاجتهادِ لا في عمومِ الأحوالِ.
ويَتَفَرَّعُ على هذا الذي ذَكَرْنا منْ كونِ المقصودِ بالذاتِ الجوابَ، أنَّها تُعَدُّ خَبَرِيَّةً أوْ إنشائيَّةً باعتبارِ جوابِها، فإنْ كانَ الجوابُ خَبَرًا كانت الشرطيَّةُ خَبَرِيَّةً، وإنْ كانَ إنشاءً كانتْ إنشائيَّةً؛ إذْ لم يَخْرُج الجوابُ بسببِ ذلكَ القيْدِ عنْ كونِه جملةً خبريَّةً أوْ إنشائيَّةً.
وأمَّا النفيُ، فالتقييدُ بهِ يكونُ بسببِ النِّسبةِ على وجهٍ مخصوصٍ مِمَّا تفيدُهُ أحرُفُ النفيِ.
وهيَ سِتَّةٌ: لا، وما، وإنْ، ولنْ، ولمْ، ولمَّا.
فلا للنفيِ مُطْلَقًا: أيْ غيرَ مُقيَّدٍ بنفيِ الماضي أو الحالِ أو الاستقبالِ، بخلافِ ما كما قال.
وما وإنْ لنفيِ الحالِ إنْ دَخَلا على المضارِعِ، وهذا عندَ الإطلاقِ. وأمَّا عندَ التقييدِ بزمانٍ من الأزمنةِ فلمَّا قُيِّدَ بهِ.