والمقارَبَةِ: أيْ وكالمقارَبَةِ في كادَ، وكَرُبَ، وأَوْشَكَ منْ أفعالِ المقارَبَةِ.
واليقينِ: أيْ وكاليقينِ في وَجَدَ، وأَلْفَى، ودَرَى، وتَعَلَّمَ منْ أفعالِ القلوبِ، وهَلُمَّ جَرًّا إلى غيرِ ذلكَ من النواسِخِ.
فالجملةُ في هذا، أيْ في تقييدِ الحكمِ بالنواسخِ، تَنْعَقِدُ من الاسمِ والخبرِ. والنواسخُ إنَّما هيَ تكونُ قُيُودًا للحكْمِ فيها، وهذا في غيرِ أفعالِ القلوبِ، أوْ تَنْعَقِدُ من المفعولينِ فقطْ، وهذا في أفعالِ القلوبِ؛ لأنَّ المفعولَيْنِ فيها هما المبتدأُ والْخَبَرُ، وتلكَ الأفعالُ قيودٌ. فإذا قُلْتَ: ظننتُ زيدًا قائمًا، فمعناهُ: زيدٌ قائمٌ على وجهِ الظنِّ، فالجملةُ في هذا انْعَقَدَتْ من الْمَفْعُولَيْنِ، وفعْلُ الظنِّ قَيْدٌ للحكْمِ.
وأمَّا الشرْطُ فالتقييدُ بهِ يكونُ للأغراضِ التي تُؤَدِّيها معاني أدواتِ الشرْطِ في مَقامٍ يَقْتَضي تلكَ الأغراضَ. كالزمانِ: أيْ كعمومِ الزمانِ في الاستقبالِ في متى وأَيَّانَ، وعمومِ المكانِ في أيْنَ وأَنَّى وحيثُما، وعمومِ الحالِ في كيْفَما، فيُعْتَبَرُ في كلِّ مَقامٍ ما يُناسبُه منْ معاني تلكَ الأدواتِ واستيفاءِ ذلكَ.
وتحقيقُ الفرْقِ بينَ الأدواتِ يُذْكَرُ في علْمِ النحوِ، وإنَّما يُفَرَّقُ ههنا بينَ إنْ وإذا ولوْ لاختصاصِها بمزايا ومعاني لطيفةٍ تُعَدُّ منْ وجوهِ البلاغةِ، ولم يَتَعَرَّضْ لها النَّحْوِيُّونَ:
فإنْ وإذا تَشْتَرِكَانِ في أنَّهُما للشرْطِ في الاستقبالِ، بمعنى أنَّهُما تُفِيدَانِ تَعليقَ المتكلِّمِ في الحالِ وقوعَ مضمونِ الجزاءِ بوقوعِ مضمونِ الشرْطِ في المستقبَلِ.
ولوْ للشرْطِ في الْمُضِيِّ، بمعنى أنَّها تَدُلُّ على أنَّ الجزاءَ كانَ فيما مَضَى بحيثُ يَقَعُ على تقديرِ وقوعِ الشرْطِ. ثمَّ لَمَّا كانَ معنى إنْ وإذا الشرطَ في الاستقبالِ، ومعنى لو الشرطَ في الْمُضِيِّ، والأصلُ في اللفظِ أنْ يَتْبَعَ المعنى، فيكونُ الشرطُ فعلًا مضارعًا معَ إنْ وإذا، وماضيًا معَ لوْ، ولا يُخالِفُ ذلكَ لفظًا إلَّا لنُكْتَةٍ؛ لأنَّ الدَّلالةَ على المعنى بما يُطابِقُه هوَ مُقْتَضَى الظاهرِ، ومخالفتُه بلا فائدةٍ لا يَجوزُ في بابِ البلاغةِ، نحوَ: {وَإِنْ يَسْغَيِثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} ، قيلَ: الْمُهْلُ ما أُذيبَ منْ جواهرِ الأرضِ، وقيلَ: هوَ دُرٌّ والزيتُ، فوَقَعَ فيهِ معَ إنْ فِعْلٌ مضارِعٌ، وكذا معَ إذا في قولِه: (وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقْنَعُ) . وفي قولِه تعالى: {وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} وَقَعَ الفعْلُ الماضي معَ لوْ.
والفرْقُ بينَ إنْ وإذا، معَ كوْنِهما تَشتركانِ في أنَّهُما للشرْطِ في الاستقبالِ، أنَّ الأصْلَ عَدَمُ الجزمِ بوقوعِ الشرْطِ معَ إنْ، والجزمُ بوقوعِه معَ إذا، وإنَّما قالَ: الأصلُ، لأنَّهُما قدْ تُسْتَعْمَلانِ على خلافِ ذلكَ، فتُستعمَلُ إنْ في مقامِ الجزمِ، وتُستعمَلُ إذا في مَقامِ الشكِّ؛ لاعتباراتٍ خَطَابيَّةٍ، لكنَّ هذا الاستعمالَ ليسَ على الأصلِ الذي تُستعملانِ فيهِ بالحقيقةِ اللُّغَوِيَّةِ؛ ولهذا: أيْ ولأَجْلِ أنَّ الأصلَ في إذا الجزْمُ بالوقوعِ، وفي إنْ عَدَمُ الجزْمِ بهِ، غَلَبَ استعمالُ الماضي معَ إذا لدلالةِ الْمُضِيِّ على تَحَقُّقِ الوقوعِ نَظَرًا إلى نفسِ اللفظِ، وإنْ نُقِلَ ههنا إلى معنى الاستقبالِ، فكأنَّ الشرْطَ واقعٌ بالفعلِ، وهوَ يُناسِبُ مُفادَ إذا الذي هوَ الجزْمُ بالوقوعِ، فناسَبَ استعمالُ الماضي معه لَفْظًا، وإنْ صارَ بدخولِها بمعنى المستقبَلِ بخلافِ إنْ فإنَّهُ غَلَبَ استعمالُ المستقبَلِ معها كما هوَ مُقْتَضَى تَبَعيَّةِ اللفظِ للمعنى لِعَدَمِ وجودِ ما يَقتَضِي العدولَ عنْ هذا الْمُقْتَضَى فيها، فإذا قلْتَ: إنْ أَبْرَأْ منْ مَرَضِي أَتَصَدَّقْ بألفِ دينارٍ، كُنْتَ شاكًّا في الْبُرْءِ، وإذا قُلْتَ: إذا بَرِئْتُ منْ مَرَضِي تَصَدَّقْتُ، كُنْتَ جازمًا بهِ أوْ كالجازمِ، أيْ كالظانِّ غَلَبَةَ الظنِّ، فإنَّ المرادَ بالجزمِ في قولِهم: إنَّ أصْلَ إذا الْجَزْمُ بوقوعِ الشرْطِ، ما يَشْمَلُ اليقينَ وغَلَبَةَ الظنِّ.