الصفحة 38 من 111

وأمَّا بيانُ مقامِهما، فهوَ ما ذَكَرَه بقولِه: والإطلاقُ يكونُ حيثُ لا يَتَعَلَّقُ الغرَضُ بتقييدِ الحُكْمِ بوجْهٍ من الوجوهِ؛ ليَذْهَبَ السامعُ فيهِ كلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ، ويجوزَ تَعَلُّقُه بكلِّ ما يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ به. والتقييدُ يكونُ حيثُ يَتَعَلَّقُ الغرضُ بتقييدِه بوجهٍ مخصوصٍ من الوجوهِ التي سيأتي ذِكْرُها بحيثُ لوْ لم يُراعَ ذلكَ التقييدُ تَفُوتُ الفائدةُ المطلوبةُ؛ فإنَّ ذلكَ التقييدَ يَدُلُّ على أنَّ المطلوبَ ليسَ هوَ ما يُفيدُه الحكْمُ فقطْ، بلْ هوَ معَ زيادةِ ما يُفيدُه ذلكَ التقييدُ، فلوْ لم يُراعَ ذلكَ التقييدُ لم يَحْصُلْ ما هوَ المطلوبُ من الفائدةِ. ولتفصيلِ هذا الإجمالِ نقولُ:

إنَّ التقييدَ يكونُ بالمفاعيلِ ونحوِها؛ كالحالِ، والتمييزِ، والاستثناءِ، والنواسخِ، وهيَ من الأفعالِ والحروفِ ما يَنْسَخُ ويُذِيلُ حكْمَ المبتدأِ والخبرِ، والشرطِ، والنفيِ، والتوابعِ، وغيرِ ذلكَ مِمَّا يصِحُّ التقييدُ بهِ. أمَّا المفاعيلُ ونحوَها فالتقييدُ بها يكونُ لبيانِ نوعِ الفعلِ، كما في المفعولِ المطلَقِ الذي يكونُ لبيانِ النوعِ، نحوَ: أُكْرِمْتُ إكرامَ أهلِ الحسَبِ، وإنَّما خَصَّ الكلامَ بهذا القِسمِ من المفعولِ المطلَقِ احترازًا عن المفعولِ المطلَقِ للتأكيدِ؛ فإنَّ مفهومَه ليسَ بزائدٍ على ما يُفْهَمُ من الفعْلِ، فلا يزيدُ فائدتَه عنْ فائدةِ مطْلَقِ الحكْمِ. أوْ بيانِ ما وَقَعَ عليهِ الفعْلُ من المفعولِ بهِ، كقولِكَ: حَفِظْتُ الْقُرْآنَ.

أوْ بيانِ ما وقَعَ فيهِ الفعلُ من الظرْفِ والمفعولِ فيهِ، نحوَ: جَلَسْتُ أمامَكَ. أوْ بيانِ ما وَقَعَ لأجْلِه الفعْلُ من المفعولِ لهُ، مثلَ: ضُرِبْتُ تأديبًا. أوْ بيانِ ما وَقَعَ الفعْلُ بمقارنتِه من المفعولِ معهُ، كقولِنا: سِرْتُ وطريقَ المدينةِ. أوْ بيانِ الْمُبْهَمِ من الهيئةِ في الحالِ والذاتِ في التمييزِ، مثلَ: ضُرِبْتُ قائمًا، وطِبْتُ نفسًا. أوْ بيانِ عَدَمِ شمولِ الحكْمِ كما في الوصْفِ المخصَّصِ، كقولِك: جاءَنِي رجلٌ عالِمٌ، فإنَّكَ إذا قُلْتَ: جاءَنِي رجلٌ، كانَ شاملًا للجاهِلِ والعالِمِ كِلَيْهِما، فإذا قُلْتَ: عالِمٌ، أَخْرَجْتَ الجاهلَ، فيكونُ التقييدُ للجاهلِ لِبيانِ عَدَمِ شمولِ الحكْمِ. وتكونُ القيودُ في الْمُقَيَّدِ بها، أيَّ قيودٍ كانتْ، مَحَطَّ الفائدةِ، والكلامُ بدونِها كاذبًا أوْ غيرَ مقصودٍ بالذاتِ، ضرورةَ أنَّ الكلامَ إذا اشْتَمَلَ على قيْدٍ زائدٍ على مُجَرَّدِ الإثباتِ والنفيِ فهوَ الغَرَضُ الخاصُّ والمقصودُ من الكلامِ، نحوَ: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} ، فإنَّ قيْدَ لاعبينَ هوَ المقصودُ بالنفيِ، والكلامَ بدونِه كاذبٌ بالضرورةِ.

وأمَّا النواسخُ، المرادُ بالنواسخِ ههنا الأفعالُ الناسخةُ لحكْمِ المبتدأِ والخبرِ ككانَ وأخواتِها، وظَنَّ وأخواتِها، وأفعالِ المقارَبَةِ. فالتقييدُ: أيْ فتقييدُ الحكْمِ الذي في الجملةِ الداخلةِ عليها هذهِ النواسخُ بها، أيْ بهذهِ النواسخِ، يكونُ للأغراضِ التي تُؤَدِّيها معاني ألفاظِ النواسِخِ؛ كالاستمرارِ أو الحكايةِ عن الزمَنِ في كانَ، في قولِك: كانَ زيدٌ مُنْطَلِقًا، فإنَّ تقييدَ الحكْمِ فيهِ بكانَ للغرَضِ الذي هوَ مُفادُ كانَ، وهوَ الحكايةُ عن الزمانِ الماضي، سواءٌ كانَ مستَمِرًّا أوْ مُنْقَطِعًا، فكأنَّكَ قُلْتَ: زيدٌ مُنْطَلِقٌ في الزمانِ الماضي.

وأمَّا الاستمرارُ مُطْلَقًا، فكما في قولِه تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} .

والتوقيتِ بزمَنٍ مُعَيَّنٍ في ظلَّ، وباتَ، وأصْبَحَ، وأمسى، وأضْحَى. فإنَّ معنى ظلَّ اتِّصافُ المخبَرِ عنهُ بالخبَرِ نهارًا، ومعنى باتَ اتِّصافُه بهِ ليلًا، ومعنى أصبحَ اتِّصافُه بهِ في الصباحِ، ومعنى أمسى اتِّصافُه بهِ في المساءِ، ومعنى أضْحَى اتِّصافُه بهِ في الضُّحى.

أو التوقيتِ لأمْرٍ بحالةٍ مُعَيَّنَةٍ في دامَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت