الصفحة 37 من 111

وقدْ يُؤْتَى بها لأغراضٍ أُخْرى:

كالتكثيرِ والتقليلِ، أيْ كإفادةِ تكثيرِ معناهُ وتقليلِه لمناسَبَةِ المقامِ ذلكَ التكثيرَ أو التقليلَ، نحوَ: لفلانٍ مالٌ، ورضوانٌ من اللَّهِ أكبرُ. فالتنكيرُ في الأوَّلِ للتكثيرِ، وفي الثاني للتقليلِ على ما يَقتضِيهِ المقامُ، أيْ: مالٌ كثيرٌ، ورضوانٌ قليلٌ.

والتعظيمِ والتحقيرِ، والفرْقُ بينَ التعظيمِ والتكثيرِ أنَّ التعظيمَ راجعٌ إلى رِفْعَةِ الشأنِ وعِزَّةِ القَدْرِ، والتكثيرَ راجعٌ إلى الْكَمِّيَّاتِ في المقاديرِ والأعدادِ. وكذا الفرْقُ بينَ مُقَابِلَيْهِمَا، وهما التحقيرُ والتقليلُ، أنَّ الأَوَّلَ يرْجِعُ إلى الامتهانِ ودَناءةِ القدْرِ، والثاني إلى قلَّةِ الأفرادِ والأجزاءِ، إمَّا حقيقةً أوْ تَقْدِيرًا كما في الرضوانِ، نحوَ:

لهُ حاجِبٌ عنْ كلِّ أمْرٍ يَشِينُهُ * وليسَ لهُ عنْ طالِبِ العُرْفِ حاجبُ

فإنَّ التنكيرَ في الحاجبِ الأوَّلِ للتعظيمِ، وفي الثاني للتحقيرِ؛ لأنَّ مقامَ المدحِ يَقْتَضِي أنَّ الحاجبَ، أي المانعَ، عنْ كلِّ ما يَشِينُ، أيْ يَعيبُ، الممدوحَ عظيمٌ، والحاجبُ عن المعروفِ والإحسانِ يَنْسَلِبُ حقيرُه، فكيفَ عظيمُهُ؟!

والعمومِ بعدَ النفيِ: أيْ عمومِ معنى تلكَ النكرةِ الواقعةِ بعدَ النفيِ، بأنْ يَنسَحِبَ عليهما حكْمُ النفيِ، نحوَ: {مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ} ؛ لأنَّ معناهُ: ما جاءنا أحدٌ منْ بشيرٍ، على أنَّهُ سَلْبٌ كُلِّيٌّ، فإنَّ النكِرَةَ في سياقِ النفيِ تَعُمُّ ضرورةَ أنَّ انتفاءَ فرْدٍ مُبْهَمٍ لا يكونُ إلَّا بانتفاءِ جميعِ الأفرادِ.

وقَصْدَ فردٍ مُعَيَّنٍ، أيْ شخصٍ مُعَيَّنٍ، منْ حيثُ صِدْقُ مفهومِ الجنسِ والنكرةِ عليه، وليسَ المرادُ بالمعيَّنِ الْمُتَعَيَّنَ في الخارجِ حتَّى يكونَ منافيًا لكونِ النَّكِرَةِ موضوعةً للوَحْدةِ الشائعةِ الْمُبْهَمَةِ، لا للوَحْدةِ المخصوصةِ الْمُعَيَّنَةِ، أوْ نوعٍ كذلكَ، أوْ نوعٍ مُعَيَّنٍ منْ أنواعِ اسمِ الجنسِ الْمُنَكَّرِ؛ وذلكَ لأنَّ التنكيرَ كما يَدُلُّ على الوَحْدَةِ شخصًا كذلكَ يَدُلُّ على الوَحدةِ نوعًا، نحوَ: {واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} ، أيْ: كلَّ فرْدٍ مِمَّا يَصْدُقُ عليهِ الدابَّةُ منْ نوعٍ من الماءِ مُخْتَصٍّ بجنْسِ تلكَ الدابَّةِ.

وإخفاءِ المتكلِّمِ الأمْرَ عن المخاطَبِ، نحوَ: قالَ رجلٌ: إنَّكَ انْحَرَفْتَ عن الصوابِ، تُخْفِي اسمَهُ حتَّى لا يَلْحَقُه أَذًى من المخاطَبِ؛ إذْ لوْ قُلْتَ: قال زيدٌ، فكادَ يَتَضَرَّرُ من المخاطَبِ.

(البابُ الخامسُ في الإطلاقِ والتقييدِ)

إذا اقْتُصِرَ في الجملةِ على ذِكْرِ الْمُسْنَدِ والمسنَدِ إليه، وقُطِعَ النظَرُ عنْ تَعَلُّقِهِما بِمُتَعَلِّقَاتِهما، فالحكْمُ مطلَقٌ. وإذا زِيدَ عليهما شيءٌ ممَّا يَتَعَلَّقُ بهما أوْ بأحدِهما، ولُوحِظَ تَعَلُّقُهما أوْ تَعَلُّقُ أحدِهما بهِ، فالحكْمُ مُقَيَّدٌ. هذا بيانٌ لمعنى الْمُطْلَقِ والْمُقَيَّدِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت