الصفحة 36 من 111

والخروجِ منْ تَبِعَةِ تقديمِ البعضِ على البعضِ، ودَفْعِ الحرَجِ الناشئِ منْ ذلكَ التقديمِ، بأنْ يُورِثَ التقديمُ عداوةً أوْ أَذًى خَاطِرًا، نحوَ: حَضَرَ أُمَرَاءُ الْجُنْدِ، فإنَّهُ لوْ قيلَ: فلانٌ وفلانٌ، تُوُهِّمَ منهُ تعظيمُ بعضِهم على بعضٍ بالتقديمِ، وفيهِ غَيْظُ المتقدَّمِ عليهِ.

والتعظيمِ للمضافِ، نحوَ: كتابُ السلطانِ حَضَرَ، ففي إضافةِ الكتابِ إلى السلطانِ تعظيمُ الكتابِ الذي هوَ المضافُ بأنَّهُ كتابُ السلطانِ. أو المضافِ إليهِ، نحوَ: هذا خادمِي، فإنَّ في إضافةِ الخادِمِ إلى ياءِ المتكلِّمِ تعظيمُ المتكلِّمِ نفسَه بأنَّ لهُ خادمًا. أوْ غيرِهما، نحوَ: أخو الوزيرِ عندِي، ففي الإخبارِ بعِنْدِيَّةِ الوزيرِ للمتكلِّمِ تعظيمٌ للمتكلِّمِ بأنَّ أخا الوزيرِ لديْهِ، وهوَ غيرُ المضافِ والمضافِ إليْهِ، أَعْنِي قولَه: أخو الوزيرِ.

والتحقيرِ للمضافِ، نحوَ: هذا ابنُ اللصِّ، تحقيرًا للمضافِ بأنَّهُ ابنُ اللصِّ. أو المضافِ إليه، نحوَ: اللصُّ رفيقُ هذا، تحقيرًا للمشارِ إليه بهذا، الذي هوَ المضافُ إليهِ، بكونِ اللصِّ رفيقَه. أوْ غيرِهما، نحوَ: أخو اللصِّ عندَ عمرٍو، تحقيرًا لعمرٍو، وبأنَّ أخا اللصِّ جليسُهُ، وهوَ غيرُ المضافِ والمضافِ إليه.

والاختصارِ: أيْ في مقامٍ يُناسِبُه الاختصارُ؛ ولذا زادَ قولَه: لضِيقِ الْمَقامِ؛ فإنَّ ضِيقَ المقامِ بسببٍ من الأسبابِ مَقامُ الاختصارِ، نحوَ: هوايَ، أيْ مَهْوِيِّ ومَحبوبي، (معَ الرَّكْبِ) ، اسمُ جَمْعٍ للراكِبِ، (الْيَمَانِينَ) ، جَمْعُ يَمَانٍ، وأصلُه يَمَانِيٌّ نِسبةً لليَمَنِ، أُعِلَّ إعلالَ قاضٍ، (مُصْعَدٌ) ، منْ أَصْعَدَ في الأرضِ مَضَى فيها، (جَنِيبٌ) أيْ مَجْنُوبٌ مُسْتَتْبَعٌ، (وجُثْمَانِي بِمَكَّةَ مُوثَقُ) ، أيْ جسمي وشخصي بِمَكَّةَ مُقَيَّدٌ. فقولُه: (هوايَ) ، هوَ المقصودُ بالتمثيلِ، ووجهُ اختيارِه بَدَلَ أنْ يُقالَ: الذي أهواهُ، ونحوَ ذلكَ، هوَ الاختصارُ؛ فإنَّ الاختصارَ هوَ المطلوبُ ههنا لضِيقِ الْمَقامِ؛ لأنَّهُ قالَهُ حالَ كونِه في السِّجْنِ، والحبيبِ على الرحيلِ، وهوَ حالُ ضِيقِ الصدْرِ، وفَرْطِ الضجَرِ، فاختارَ الاختصارَ لعَدَمِ الارتياحِ إلى الإكْثارِ.

وأمَّا المنادَى، فيُؤْتَى بهِ إذا لم يُعْرَفْ للمخاطَبِ عنوانٌ خاصٌّ، وكانَ الغرَضُ طَلَبَ إقبالِه، فيُنادى بعنوانٍ عامٍّ نحوَ: يا رجلُ، ويا فتًى، إشارةً إلى حِصَّةٍ مُعَيَّنَةٍ منْ ذلكَ العنوانِ العامِّ، فهوَ في التعريفِ بمنزِلةِ اللامِ في الْعَهْدِ الخارجيِّ. وقدْ يُؤْتَى بهِ للإشارةِ إلى عِلَّةِ ما يُطْلَبُ منهُ، نحوَ: يا غلامُ! أَحْضِر الطعامَ، ويا خادِمُ! أسْرِج الْفَرَسَ. ففي النداءِ بهذا العنوانِ إشارةٌ إلى أنَّ طلَبَ إحضارِ الطعامِ وإسراجِ الفرَسِ منهما؛ لكونِهما سَبَبَيْنِ للإحضارِ والإسراجِ، أو الغرضُ يُمكِنُ اعتبارُه ههنا ممَّا ذُكِرَ في النداءِ في بحْثِ الإنشاءِ، وبيانُ أحوالِه كما عَلِمْتَ سابقًا.

وأمَّا النكِرَةُ فيُؤْتَى بها إذا لمْ يُعْلَمْ للمَحْكِيِّ عنهُ جهةُ تعريفٍ، إمَّا حقيقةً، كقولِكَ: جاءَ ههنا رجلٌ، إذا لمْ تَعْرِفْ ما يُعَيِّنُهُ منْ علَمٍ أوْ صِلَةٍ ونحوِهما، فيكونُ التنكيرُ ههنا لعَدَمِ القدرَةِ على أَزْيَدَ منْ ذلكَ.

أو ادِّعاءً، وذلكَ بأنْ تَتَجَاهَلَ وتُريدَ تَخييلَ أنَّكَ لا تَعْرِفُ منهُ إلَّا جنسَهُ، نحوَ قولِه تعالى: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ} الآيةَ، فنَكَّرُوهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ معَ أنَّهُ عليهِ السلامُ كانَ أَشْهَرَ عندَهم من الشمسِ تَجَاهُلًا، كأنَّهُم لمْ يكونوا يَعْرِفونَ منهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ إلَّا أنَّهُ رَجُلٌ ما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت