الصفحة 31 من 111

من المعلومِ أنَّ المعارِفَ: الضميرُ، والعلَمُ، واسمُ الإشارةِ، والاسمُ الموصولُ، والْمُحَلَّى بألْ، والمضافُ لواحدٍ مِمَّا ذُكِرَ، والمنادَى. فمُقْتَضَى التفصيلِ أنْ يُذْكَرَ الْمُقْتَضَى لإيرادِ كلِّ واحدٍ منْ هذهِ الأقسامِ السبعةِ بخصوصِه، ولذا ذَكَرَ نُكْتَةَ إيرادِ كلِّ واحدٍ واحدٍ. وقَدَّمَ الضميرَ على سائرِ الأقسامِ؛ لكونِه أعرَفَ المعارِفِ، فقالَ: وأمَّا الضميرُ فيُؤْتَى بهِ لكَوْنِ المقامِ للمتكلِّمِ أو الخطابِ أو الغَيْبَةِ معَ الاختصارِ. وإنَّما قالَ معَ الاختصارِ احترازًا عنْ مِثْلِ قولِ الخليفةِ: أميرُ المؤمنين يَأْمُرُ بكذا، فإنَّهُ وإنْ كانَ قدْ أُتِيَ فيهِ بالاسمِ الظاهِرِ معَ كونِ المقامِ للمتكلِّمِ، لكِنْ ليسَ فيهِ اختصارٌ نحوَ: أنا رَجَوْتُكَ في هذا الأمرِ، فقدْ أُتِيَ فيهِ بضميرِ المتكلِّمِ لكونِ المقامِ للمتكلِّمِ معَ حصولِ الاختصارِ، وجُمِعَ بينَ أنا والتاءِ إشارةً إلى أنَّهُ لا فَرْقَ بينَ أنْ يكونَ الضميرُ مُتَّصِلًا أوْ مُنْفَصلًا. وكذا يُقالُ في مثالِ الخطابِ في وجهِ الجمْعِ بينَ الضميرِ المتَّصِلِ والمنفَصِلِ، وهوَ قولُه: أنتَ وَعَدْتَنِي بإنجازِه. ولَمَّا كانَ هذا المثالُ مُتَضَمِّنًا لِمِثَالِ الْغَيْبَةِ أيضًا لم يَذْكُرْ لها مثالًا على حِدَةٍ. ثمَّ المثالُ الأوَّلُ وإنْ كانَ أيضًا مُتَضَمِّنًا لمثالِ الخطابِ لكنَّهُ لمْ يَكْتَفِ بهِ، بلْ أَوْرَدَ للخِطابِ مِثالًا على حِدَةٍ؛ لأنَّهُ بِصَدَدِ تفصيلِ الخطابِ وزيادةِ البحثِ فيهِ، فنَاسَبَ أنْ يَذْكُرَ لهُ مِثَالًا بالاستقلالِ، ثمَّ يُفَصِّلَ فيهِ الكلامَ وَيَبْحَثَ عنْ حالِه؛ فلذا أَوْرَدَ مثالَه أوَّلًا ثمَّ قالَ: والأصلُ في الْخِطابِ أنْ يكونَ لِمُشَاهَدٍ مُعَيَّنٍ، أمَّا كونُه لمشاهَدٍ فلأنَّ الخِطابَ هوَ توجيهُ الكلامِ إلى حاضرٍ، وهوَ لا يكونُ في الأغلَبِ إلَّا مشاهَدًا. وأمَّا كونُه مُعَيَّنًا فلِأنَّ وَضْعَ مُطْلَقِ المعارِفِ على أنْ يُسْتَعْمَلَ في مُعَيَّنٍ. وقدْ يُعْدَلُ عنْ هذا الأصْلِ ويُخَاطَبُ غيرُ المشاهَدِ إذا كانَ مُسْتَحْضَرًا في القلْبِ؛ لجَعْلِ ذلكَ الحضورِ بمنزلةِ المشاهَدَةِ، نحوَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، فإنَّ المخاطَبَ فيهِ وهوَ ذاتُه تعالى وإنْ لمْ يكُنْ مُشاهَدًا، لكنَّهُ لاستحضارِه في القلْبِ جُعِلَ بمنزلةِ المشاهَدِ، وخوطِبَ خِطابَ المشاهَدِ.

وكذا قدْ يُخاطَبُ غيرُ الْمُعَيَّنِ إذا قُصِدَ تعميمُ الْخِطابِ لكلِّ مَنْ يُمْكِنُ خِطابُه، أيْ على سبيلِ البَدَلِ لا على سبيلِ التناوُلِ دُفعةً، نحوَ: (اللئيمُ مَنْ إذا أَحْسَنْتَ إليهِ أساءَ إليكَ) ، فإنَّكَ لا تُريدُ بهذا مُخاطَبًا بعينِه قَصْدًا إلى أنَّ سُوءَ معاملتِه لا يَخْتَصُّ واحدًا دونَ واحدٍ، فكأنَّكَ قُلْتَ: إذا أُحْسِنَ إليهِ. وفائدةُ العُدولِ عنْ هذه العبارةِ إلى الْخِطابِ المبالَغَةُ في تشهيرِ سوءِ معاملتِه، كأنَّكَ أَحْضَرْتَ كلَّ واحدٍ مِمَّنْ يُمْكِنُ خطابُه فخَاطَبْتَهُ بذلكَ، وصَوَّرْتَ سُوءَ معاملتِه في ذِهْنِه. وأمَّا العلْمُ فيُؤْتَى بهِ لإحضارِ معناهُ في ذِهْنِ السامعِ باسمِه الخاصِّ بمعناهُ، بحيثُ لا يُطْلَقُ باعتبارِ وضْعِه لهذا المعنى المخصوصِ على غيرِه، وإنْ أُطْلِقَ على الغيرِ باعتبارِ وَضْعٍ آخَرَ كما في الأعلامِ المشترَكَةِ نحوَ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} ، فإبراهيمُ وإسماعيلُ عَلَمَانِ أُتِيَ بهما لأجْلِ إحضارِ معناهما في ذِهْنِ السامِعِ باسْمِهما الخاصِّ. وقدْ يُقْصَدُ بهِ معَ ذلكَ -أيْ بإحضارِ معناهُ باسْمِه الخاصِّ- أغراضٌ أُخرى باعتبارِ معناهُ الأصليِّ قبلَ العَلَمِيَّةِ، فإنَّ الأعلامَ كثيرًا ما يُلْحَظُ فيها إلى معانيها الأصليَّةِ:

كالتعظيمِ في نَحْوِ: رَكِبَ سيفُ الدولةِ، ممَّا كانَ الاسمُ صالحًا للتعظيمِ، والمقامُ مقامَهُ.

والإهانةِ في نحوَ: ذَهَبَ صخرٌ، مِمَّا كانَ الاسمُ دالًّا على الإهانةِ، والمقامُ يَقْتَضِيها.

والكنايةِ عنْ معنى يَصْلُحُ اللفظُ -أيْ لفظُ العلَمِ- لهُ، في نحوَ: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} ، مِمَّا يَنْتَقِلُ منْ معناهُ الأصليِّ إلى ما يَصْلُحُ كنايةً عنهُ. ففي قولِه تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ} ، عَبَّرَ بأبي لَهَبٍ عنْ مُسَمَّاهُ، وقَصَدَ باعتبارِ معناهُ الأصليِّ، أعني مُلازِمَ اللَّهبِ، الكنايةَ عنْ كونِه جَهَنَّمِيًّا؛ لأنَّهُ لازِمٌ لملازَمَتِه للَّهَبِ، فإنَّ اللَّهَبَ الحقيقيَّ لَهَبُ نارِ جهنَّمَ، فيكونُ انتقالًا من الملزومِ إلى اللازمِ باعتبارِ الوَضْعِ الأوَّلِ، وهذا القدْرُ كافٍ في الكنايةِ. وأمَّا اسمُ الإشارةِ فيُؤْتَى بهِ إذا تَعَيَّنَ طريقًا لإحضارِ معناهُ بأنْ لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت