وتقويةُ الحُكْمِ، أيْ تقريرُه في ذِهْنِ السامعِ وتثبيتُه فيهِ؛ دفعًا لتَوَهُّمِ كونِه مِمَّا يُرْمَى بهِ منْ غيرِ تحقيقٍ إذا كانَ الخبَرُ فِعْلًا، نحوَ: الهلالُ ظَهَرَ، وذلكَ لتَكرارِ الإسنادِ، ووجهُ تَكرارِ الإسنادِ في هذه الصورةِ أنَّ الْمُبْتَدَأَ يَسْتَدْعِي أنْ يُسْنَدَ إليه شيءٌ، فإذا جاءَ بعدَه ما يَصْلُحُ أنْ يُسْنَدَ إليه صَرَفَهُ إلى نفسِهِ، فيَنْعَقِدُ بينَهما حُكْمٌ، ثمَّ إذا كانَ الخبَرُ فعلًا صَرَفَه إليه ضميرُه ثانيًا، فصارَ الإسنادُ بهذا الاعتبارِ مُكَرَّرًا. وكأَنَّ قولَنا: الهلالُ ظَهَرَ، بمثابةِ أنْ يُقالَ: ظَهَرَ الهلالُ ظَهَرَ الهلالُ.
(8) والتخصيصُ، يعني تخصيصَ الفعْلِ بِمُتَعَلَّقِه وقَصْرَهُ عليهِ، نحوَ: ما أنا قُلْتُ، فتقديمُ الْمُسنَدِ إليه في هذا الكلامِ لأَجْلِ اختصاصِه بانتفاءِ القولِ عنهُ، أيْ: إنَّ انتفاءَ القولِ مقصورٌ عَلَيَّ. و {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، فإنَّ تقديمَ المفعولِ ههنا لقَصْدِ التخصيصِ، والمعنى: نَخُصُّكَ بالعِبادةِ.
(9) والمحافظةُ على وَزْنٍ أوْ سَجْعٍ نحوَ:
إذا نَطَقَ السفيهُ فلا تُجِبْهُ * فخَيْرٌ منْ إجابتِه السُّكُوتُ
والثاني نحوَ: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} ، فإنَّ تقديمَ الخبَرِ في البيتِ، وهوَ قولُه: (فخيرٌ منْ إجابتِه) ، على المبتدأِ الذي هوَ (السُّكُوتُ) لمحافظةِ وزْنِ البيتِ. وتقديمَ {ثُمَّ الْجَحِيمَ} ، و {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ} على الفعْلِ في الآيةِ لمحافظةِ السجْعِ.
ولم يُذْكَرْ لكلٍّ من التقديمِ والتأخيرِ دواعٍ خاصَّةٌ؛ لأنَّهُ إذا تَقَدَّمَ أحَدُ رُكْنَي الجملةِ تَأَخَّرَ الآخَرُ، فهما متلازمانِ، فما يكونُ داعيًا لتقديمِ أَحَدِ رُكْنَي الجملةِ يكونُ داعيًا لتأخيرِ الآخَرِ، ففي بيانِ دواعي أحَدِ الأمرينِ من التقديمِ والتأخيرِ غُنْيَةٌ عنْ بيانِ دواعي الآخَرِ؛ فلذا لم يَذْكُرْ لِكُلٍّ منهما دواعيَ على حِدَةٍ.
(البابُ الرابعُ في التعريفِ)
أيْ: في بيانِ الأمورِ الْمُقْتَضِيَةِ لإيرادِ أحَدِ أجزاءِ الكلامِ مَعْرِفَةً. والتنكيرِ: أيْ في بيانِ الأسبابِ لإيرادِه نَكِرَةً. وإنَّما قَدَّمَ التعريفَ لأنَّهُ الأصْلُ في المسنَدِ إليه الذي هوَ أَشْرَفُ أجزاءِ الكلامِ وأَقْدَمُها. ثمَّ إنَّهُ قَبْلَ ذِكْرِ الأمورِ الْمُقْتَضِيَةِ لإيرادِ كلٍّ منْ أقسامِهما بخصوصِه ذَكَرَ مقامَ مُطْلَقِ التعريفِ والتنكيرِ، فقالَ: إذا تَعَلَّقَ الغَرَضُ بتفهيمِ المخاطَبِ ارتباطَ الكلامِ بِمُعَيَّنٍ فالمقامُ للتعريفِ؛ لأنَّ وَضْعَ المعارِفِ على أنْ يُسْتَعْمَلَ للشيءِ الْمُعَيَّنِ، وإذا لمْ يَتَعَلَّق الغرَضُ بذلكَ، أيْ بتفهيمِ المخاطَبِ ارتباطَ الكلامِ بِمُعَيَّنٍ، فالمقامُ للتنكيرِ؛ فإنَّهُ لا يَدُلُّ بالوضْعِ على الْمُعَيَّنِ. هذا بيانٌ لِمَقامِ التعريفِ والتنكيرِ على الإجمالِ. ولتفصيلِ هذا الإجمالِ نقولُ: