بعدَ الْمَشيبِ، و: أَبِالزَّبيبِ يُنْخَدَعُ بعدَ الْمَشِيبِ، و: أَبَعْدَ الْمَشِيبِ يُنْخَدَعُ بالزَّبيبِ، بأنَّ مَناطَ التعَجُّبِ في الأوَّلِ نفسُ الانخداعِ، وفي الثاني كونُه بالزَّبيبِ، وفي الثالثِ كونُه بعدَ الْمَشيبِ.
(4) وسلوكُ سبيلِ التَّرَقِّي، أي الإتيانُ بالعامِّ أوَّلًا ثمَّ الخاصِّ بعدَه لغَرَضٍ منْ أغراضِ ذِكْرِ الخاصِّ بعدَ العامِّ، كالإيضاحِ بعدَ الإبهامِ؛ لأنَّ العامَّ إذا لم يُقَدَّمْ بلْ ذُكِرَ بعدَ الخاصِّ لا يكونُ لهُ فائدةٌ، نحوَ: هذا الكلامُ صحيحٌ فصيحٌ بليغٌ. ففي هذا الكلامِ سلوكُ سبيلِ التَّرَقِّي؛ لأنَّ قولَنا: صحيحٌ، عامٌّ شامِلٌ للفصيحِ والبليغ ِ وغيرِهما، فيُفيدُ تقديمُه فائدةَ الإيضاحِ بعدَ الإبهامِ، فإذا ذَكَرْتَ الخاصَّ أوَّلًا وقُلْتَ: فصيحٌ بليغٌ لا تَحتاجُ إلى ذِكْرِ صحيحٍ؛ فَهُوَ أعمُّ منهما. وكذا إذا قُلْتَ: بليغٌ، لا تَحتاجُ إلى ذِكْرِ ما هوَ أَعَمُّ منْهُ، فلا تقولُ صحيحٌ ولا فصيحٌ؛ لأنَّ الحكْمَ بالخاصِّ حُكْمٌ بالعامِّ؛ لاستلزامِه له، فلا فائدةَ في ذِكْرِ العامِّ بعدَ الخاصِّ.
(5) ومراعاةُ الترتيبِ الوُجوديِّ، فيُقَدَّمُ في اللفظِ ما هوَ مُقَدَّمٌ في الوجودِ، نحوَ: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} ، فَرُوعِيَ فيهِ الترتيبُ الوُجوديُّ، وقُدِّمَتِ السِّنَةُ على النومِ في الذكْرِ؛ لكونِها مُتقدِّمةً عليهِ في الوجودِ؛ لأنَّ السِّنَةَ عبارةٌ عن الْفُتُورِ الذي يَتَقَدَّمُ النومَ.
(6) والنصُّ على عمومِ السلْبِ أوْ سلْبِ العمومِ، يعني إذا اجْتَمَعَ في كلامٍ أداةُ العمومِ وأداةُ النفيِ، فَتَعْيِينُ أنَّ المرادَ في هذا الكلامِ هلْ هوَ عمومُ السلْبِ وشمولُ النفيِ، أوْ سلْبُ العمومِ ونفيُ الشمولِ، لا يَتَّضِحُ إلَّا بتقديمِ أَحَدِ أداةِ العمومِ وأداةِ النفيِ على الآخَرِ.
فالأوَّلُ: يكونُ بتقديمِ أداةِ العمومِ على أداةِ النفيِ ودخولِها عليها؛ لكونِهِ صريحًا في الدَّلالةِ على عمومِ النفيِ وشمولِ السلْبِ، نحوَ: كلُّ ذلكَ لم يكُنْ. فإنَّ تقديمَ كلِّ ذلكَ على لمْ يكُنْ يُفيدُ سلْبَ الكونِ عنْ كلِّ فرْدٍ فرْدٍ، أيْ: لم يَقَعْ هذا ولا ذاكَ، وذلكَ معنى عمومِ السلبِ.
والثاني: يكونُ بتقديمِ أداةِ النفيِ على أداةِ العمومِ؛ لأنَّهُ صريحٌ في إفادةِ سلْبِ العمومِ ونفيِ الشمولِ، نحوَ: لمْ يكُنْ كلُّ ذلكَ. فإنَّهُ يُفيدُ نفيَ الحكْمِ عنْ جُملةِ الأفرادِ، أيْ: لمْ يَقَع المجموعُ لا عنْ كلِّ فرْدٍ، فيَحْتَمِلُ ثبوتَ البعضِ ويَحْتَمِلُ نفيَ كلِّ فردٍ. فمِثْلُ هذا التركيبِ نَصٌّ على سلْبِ العمومِ وإنْ كانَ يَحْتَمِلُ عمومَ السلْبِ أيضًا؛ ولذا جَعَلَ المصنِّفُ السببَ الداعيَ للتقديمِ هوَ النصُّ على أحدِ هذينِ الْمَعْنَيَيْنِ.
والحاصلُ أنَّهُ إذا اقْتَضَى مَقامُ عمومِ السلْبِ وقَصَدَ المتكلِّمُ أنْ يُفيدَه بحيثُ يكونُ كلامُه نصًّا عليْهِ، ولا يَلْتَبِسُ على السامعِ أصْلًا، فلا سبيلَ إلى هذهِ الإفادةِ إلَّا بتقديمِ لفظِ العمومِ على النفيِ.
وكذا إذا اقْتَضَى مقامُ سلْبِ العمومِ فطريقُ إفادتِه على وَجْهِ النصِّ ليسَ إلَّا بتقديمِ أداةِ النفيِ على لفظِ العمومِ، فظَهَرَ أنَّ النصَّ على إفادةِ عمومِ السلْبِ أوْ سلْبِ العمومِ سببٌ داعٍ لتقديمِ أداةِ العمومِ أوْ أداةِ النفيِ في المقامِ الذي يَقْتَضِي أحدَ هذينِ الْمَعْنَيَيْنِ.