ويُعَدُّ من الحذْفِ إسنادُ الفعْلِ إلى نائبِ الفاعلِ: الظاهِرُ أنَّ عَدَمَ الإتيانِ بالفاعلِ في الفعْلِ المبنيِّ للمفعولِ ليسَ منْ قَبيلِ الحذْفِ؛ إذْ على تقديرِ جَعْلِ الفاعلِ محذوفًا اعْتُبِرَ إسنادُ ذلكَ الفعْلِ إلى الفاعلِ المحذوفِ معَ أنَّ ذلكَ الفعلَ لا يَصْلُحُ للإسنادِ إليه، لكنَّهُ قدْ يُطْلَقُ عليهِ الحذْفُ أيضًا اعتبارًا لصُلُوحِ نفسِ التركيبِ للإتيانِ بهِ مِنْ غيرِ نَظَرٍ إلى بناءِ الفِعْلِ للمفعولِ، فكأنَّهُ اعْتَبَرَ الحذفَ أوَّلًا ثمَّ البناءَ، فيقالُ حينئذٍ: حَذَفَ الفاعلَ إمَّا للخوفِ بأنْ يَخْشَى بذكرِه وإظهارِه منْ غَائلَةٍ منهُ أوْ عليهِ، أوْ للعلْمِ بهِ فلا حاجةَ لذِكْرِه، أو الجَهْلِ بهِ فلا سبيلَ إلى ذِكْرِه، نحوَ: سُرِقَ الْمَتاعُ، فحَذْفُ السارقِ في هذا المثالِ إمَّا للخوفِ منهُ أوْ عليهِ إنْ كانَ معلومًا، وإنْ كانَ مَجْهولًا كانَ حَذْفُه للجَهْلِ بهِ. وقولُه {خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} مثالٌ لِحَذْفِ الفاعلِ للعلْمِ به؛ إذْ من المعلومِ لكلِّ أحَدٍ أنَّهُ لا خالِقَ سوى ذاتِه تعالى.
البابُ الثالثُ في التقديمِ والتأخيرِ
من المعلومِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ النُّطْقُ بأجزاءِ الكلامِ دُفْعَةً واحدةً؛ لكونِه من الأمورِ الغيرِ القَارَّةِ الذَّوَاتِ التي يَستحيلُ فيها اجتماعُ بعضِ الأجزاءِ معَ البَعْضِ، بلْ لا بُدَّ منْ تقديمِ بعضِ الأجزاءِ وتأخيرِ البعضِ. وليسَ شيءٌ منها في نفسِه أَوْلَى بالتقدُّمِ من الآخَرِ؛ لاشتراكِ جميعِ الألفاظِ منْ حيثُ هيَ ألفاظٌ، أيْ معَ قَطْعِ النظَرِ عنْ عُروضِ معنًى يُوجِبُ الصدارةَ في درجةِ الاعتبارِ، كما قالَ في الحاشيةِ: هذا بعدَ مُراعاةِ إلخ، فلا بدَّ منْ تقديمِ هذا على ذاكَ منْ داعٍ يُوجِبُه. فمِن الدَّوَاعِي:
(1) التشويقُ إلى الْمُتَأَخِّرِ إذا كانَ الْمُتَقَدِّمُ مُشْعِرًا بغَرابةٍ بحيثُ يُوجِبُ التشوُّقَ إلى الْمُتَأَخِّرِ، ولذا إذا ذُكِرَ تَمَكَّنَ في ذِهْنِ السامعِ؛ لأنَّ الحاصلَ بعدَ الشَّوْقِ كَمُنَ في النفْسِ من الْمُنْسَاقِ بلا شوْقٍ وانتظارٍ، نحوَ: (والذي حَارَتِ الْبَرِيَّةُ) ، أي: اخْتَلَفَتْ فيهِ، في أنَّهُ يُعَادُ أوْ لا يُعَادُ. (حيوانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِنْ جَمَادِ) ، والمرادُ باستحداثِ الحيوانِ منْ جَمَادٍ البَعْثُ والْمَعَادُ للأجْسامِ الحيوانيَّةِ من القُبُورِ؛ لكونِها مُسْتَحَدَثَةً من الترابِ الذي تَنْبُتُ منهُ. فتقديمُ الْمُسْنَدِ إليهِ ههنا يُوجِبُ الاشتياقَ إلى أنَّ الخبَرَ عنهُ ما هوَ؛ لكونِه مُشْعِرًا بغَرَابَةٍ، وهيَ حَيْرَةُ البَرِيَّةِ فيه.
(2) وتعجيلُ الْمَسَرَّةِ أو الْمَسَاءَةِ، يعني إذا كانَ اللفظُ مُشْعِرًا بالْمَسَرَّةِ أو الْمَساءَةِ، وكانَ الغرَضُ حصولَ واحدٍ منهما للسامِعِ بالتَّعَجُّلِ، قُدِّمَ هذا اللفظُ ليَحْصُلَ الْمَسَرَّةُ أو الْمَسَاءَةُ بِمُسْتَهَلِّ الكلامِ واللفظِ المسموعِ أوَّلًا، نحوَ: العفوُ عنكَ صَدَرَ بهِ الأمْرُ، أو القِصاصُ حَكَمَ بهِ القاضي. ففي تقديمِ لفظِ العفوِ تعجيلُ الْمَسَرَّةِ للسامِعِ، وفي تقديمِ لفظِ القِصاصِ تعجيلُ الْمَساءَةِ لهُ.
(3) وكونُ الْمُتَقَدِّمِ مَحَطَّ الإنكارِ والتَّعَجُّبِ، نحوَ: أَبَعْدَ طولِ التجرِبَةِ تَنْخَدِعُ بهذهِ الزخارِفِ، فتقديمُ هذا القَيْدِ يُفِيدُ أنَّهُ مَحَطُّ الإنكارِ ومناطُ التعجُّبِ، لا نَفْسَ الانخداعِ؛ إذ لوْ كانَ المقصودُ جَعْلَ الانخداعِ نفسَه مَنَاطَ التعجُّبِ والإنكارِ قُدِّمَ الانخداعُ وقيلَ: أَتَنْخَدِعُ بهذهِ الزخارِفِ بعدَ طولِ التَّجْرِبَةِ. وَيَدُلُّ على كونِ الْمُتَقَدِّمِ مناطَ التَّعَجُّبِ والإنكارِ تصريحُهم في: أَيَنْخَدِعُ بالزَّبيبِ